كي سبحت الجبال والطيور مع داود (ع) ؟ وما الرسالة التي توجهها الآيات للنبي (ص:17-26)؟

{ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ، إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ، وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ، وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ }
17-20
- ما علاقة ما سبق من آيات بقصة داود (ع) الواردة في هذه السورة وما جاء فيها من وصف له؟ وما علاقة ما سبق بالنبي (ص) وأمره بالصبر؟
1. التأكيد على ضرورة وجود الآخرة والحساب والثواب والعقاب فيها، لأن الإنسان مهما بلغ من مراتب عليا في التقوى والصلاح وغير ذلك، فإنه لن يستطيع أن يحكم إلا بما هو ظاهر، وأما في الآخرة فسيتم هناك إحقاق الحقوق، لأن الوجود كله مبني على أساس الحق.
- وهذا ما تؤكد عليه الآيات من 27-29: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
2. ضرورة الأوبة الدائمة إلى الله، وهو ما تكرر في قصة داود وسليمان وأيوب في هذه السورة. والأوبة تعني الرجوع. والأواب هو كثير الأوبة. والمراد إما الرجوع إلى ما أمر الله به، والوقوف عند حدوده، وتدارك ما فُرِّط فيه. (مراقبة النفس ومحاسبتها وإصلاحها). أو بمعنى كثرة الرجوع إلى الله من خلال الدعاء والتوكل واستمداد القوة وما إلى ذلك... وقد يشمل المعنيين.
3. الأمر بالصبر وتذكّر مآل وضع النبي داود (ع) بلحاظ ما جاء في الآيات الأولى من السورة من اتهامات وجهت لرسول الله (ص) بالسحر والاختلاق وما إلى ذلك.
- فداود (ع) لم يكن ذا مُلك ولا ذا شأن، ولكن الله آتاه المُلك والسلطان والعزة وبما يفوق حال الملوك عادة، لأن الله يقول: (إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ، وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ، وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ) وهذا ما لم يتحقق لغيره ولولده، فسبحان مبدّل الأحوال، ولذا فاصبر يا محمد (ص)، إن الله (عزوجل) قادر على تغيير الظروف والأوضاع، ولكن في الوقت المناسب، وما عليك إلا أن تُكثر من الأوبة والرجوع إلى الله.
- وصفُ داود بـــ { عَبْدَنَا } وصفُ تشريف.
- { الأَيْد } القوة والشدة، مصدر آدَ يئيد، إذا اشتدّ وقَوي، ومنه التأييد التقوية، وكان داود قد أعطي قوة نادرة وشجاعة وإقداماً عجيبين.
- وحيث أن كل شيء مسبح لله سبحانه: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44]، لذا فليس المراد جعل الجبال والطير مسبّحة، بل موافقة في تسبيحها لتسبيحه.
- أكّد القرآن على هذا المعنى في سورة سبأ:10: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ). (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:79].
- قيل أن هذا التسبيح من الجبال والطير تعبير مجازي، بمعنى أن تسبيح الجبال والطيور مع داود، هو كناية عن جمال صوته وروعة تسبيحه التي توشك أن تُنْطق الجماد، وتَفُوق تغريد الطيور حُسنًا وجمالًا. لقد كان صوت داود جميلًا جدًّا.
- ولكن للعلامة الطباطبائي رأي بخصوص تسبيح الموجودات، وأنه ليس تعبيراً مجازياً، بل حقيقياً، حيث أنها تقوم فعلاً بالتسبيح، ومن خلال هذا الرأي نفهم المراد من تسبيح الطير والجبال مع داود (ع). قال في ذيل الآية 79 من الأنبياء -مع الاختصار-:
1. (التسبيح تنزيه قولي كلامي) ثم يبدأ بتوضيح معنى القولي الكلامي وأنه ليس باللسان والصوت بالضرورة فقال: (وحقيقة الكلام الكشف عما في الضمير بنوع من الإشارة إليه والدلالة عليه، غير أن الإنسان.... التجأ إلى استعمال الألفاظ، وهي الأصوات الموضوعة للمعاني، ودلّ بها على ما في ضميره، وجرت على ذلك سُنّة التفهيم والتفهم، وربما استعان على بعض مقاصده بالإشارة بيده أو رأسه أو غيرهما، و ربما استعان على ذلك بكتابة أو نصب علامة) وهذا يعني أن كل الطرق السابقة هي قولية كلامية وإن لم تكن صوتية لأنها تكشف عما في ضميره بنوع من الإشارة إليه (فالذي يكشف به عن معنىً مقصود... قول منه وتكليم وإن لم يكن بصوت مقروع ولفظ موضوع).
- ثم استدل العلامة الطباطبائي على صحة كلامه بأن القرآن الكريم نسب إلى الله سبحانه (الكلام والقول والأمر والوحي ونحو ذلك مما فيه معنى الكشف عن المقاصد) والحال أن هذه ليست من قبيل القول والكلام المعهود عندنا كبشر حيث نستخدم اللسان واللغة للبيان، ومع هذا سمّاه الله سبحانه (قولاً وكلاماً).
2. السماء والأرض ومن فيهما تتضمّن ما يكشف (كشفاً صريحاً عن وحدانية ربها في ربوبيته، وينزّهه تعالى عن كل نقص وشين، فهي تسبّح الله سبحانه). وذلك من خلال:
أ) حاجتها وافتقارها إلى الله في ذاتها وصفاتها وأحوالها.
ب) النظام العام الجامع لشتاتها، الرابط بينها، يكشف عن وحدة موجدها.
- (فكل واحد من هذه الموجودات يكشف -بحاجته ونقصه- عن تنزّه ربه عن الحاجة، وبراءته من النقص). أي أن وجودها وصفاتها نحو من القول والكلام الدال على التسبيح.
3. القرآن الكريم (مُشعر بأن العلم سارٍ في الموجودات مع سريان الخلقة... وليس لازم ذلك أن يتساوى الجميع من حيث العلم، أو يتحد من حيث جنسه ونوعه، أو يكون عنده كل ما عند الإنسان من ذلك، أو أن يفقه الإنسان بما عندها من العلم).
- ثم استشهد بما يلي: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [فصلت:21]، و (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت:11].
- النتيجة: (إذا كان كذلك، فما من موجود مخلوق إلا وهو يشعر بنفسه بعض الشعور، وهو يريد بوجوده إظهار نفسه المحتاجة الناقصة التي يحيط بها غِنى ربه وكماله، لا رب غيرُه، فهو يسبح ربه وينزهه عن الشريك وعن كل نقص ينسب إليه).
- (بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ) العشي ما بعد العصر. و(ٱلإِشْرَاقِ) وقت ظهور ضوء الشمس واضحاً على الأرض وهو وقت الضحى. يقال أشرقت الأرض ولا يقال أشرقت الشمس، (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) بالزمر:69]. وإنما يقال شَرَقَت الشمس. ووقت طلوع الشمس هو الشروق ووقت الإِشراق الضحى.
- { كُلٌّ له أوَّابٌ } كل المحشورة له أواب، أي كثير الرجوع إليه، أي يأتيه من مكان بعيد. وهذا خلاف المعتاد من عامة الطير لأن شأنها عادة هو النفور من الإِنس.
- (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) شدّ الملك هو تقوية ملكه وسلامته من أضرار ثورة لديه ومن غلبة أعدائه عليه في حروبه. والمروي أنه ملك أربعين سنة ومات وعمره سبعون سنة في ظل ملك ثابت.
- (وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ } بلاغة الكلام وجمعه للمعنى المقصود بحيث لا يحتاج سامعه إلى زيادة تبيان. والمعنى أن داود أوتي من أصالة الرأي وفصاحة القول ما إذا تكلّم جاء بكلام فاصل بين الحقّ والباطل شأن كلام الأنبياء والحكماء.

10/25/2021

لمشاهدة جميع الخطب المرئية اضغط هنا