خطبة الجمعة 12 ربيع الآخر 1442: الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية : ماذا ستختار ؟

- قبل أيام، كنت أقرأ سورة الشعراء، واستوقفتني هذه الآيات الشريفة التي قدَّمَت جانباً من الحوار الذي كان يدور بين النبي موسى (ع) وفرعون: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) [الشعراء: 32-35].
- يا سبحان الله، فرعون بكل استكباره وجبروته وطغيانه الذي يدعوه لأن يقول: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51]، بل قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات:24]، وتجرّأ أكثر وبكلّ وقاحة فقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص:38]، فرعون هذا حين فاجأه موسى (ع) بتحويل عصاه إلى ثعبان، وتبديل لون يده، صار بحاجة ماسّة إلى دعم الآخرين له، حيث خاف من انقلاب الناس عليه ومن انحيازهم لموسى... فرعون يقول: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ)؟ ما هذا التواضع؟
- هذا المشهد ذكّرني ببعض مرشّحي الانتخابات في مثل هذه الأيام، قمة في التواضع، عمامي.. تاج راسي.. خادمكم.. إلخ من العبارات المشبّعة بالتواضع والانكسار والتذلل.. فهل ننخدع بمثل هذه العبارات والتصرّفات، ولا ننظر إلى مصداقية الرجل في حُسن تمثيله لأبناء وطنه، وقدرته على تقديم شئ لحاضر ومستقبل الوطن ولو على حساب راحته ومصالحه الشخصية والفئوية؟ أم أن التجارب السابقة كفتنا مؤونة التذكير والتحذير؟
- نموذج آخر من المرشحين، ذاك الذي قبض وارتشى واغتنى وقدّم قيمَه ووعودَه قرباناً للثراء المادي، وذبحَ مبادِئَه وتديُّنَه ومصداقيتَه على كرسيّ التمثيل النيابي.
- والغريب أن البعض – بمن فيهم المتدينون – ما زالوا يدافعون عن مشروعية التصويت لهذا النموذج، أو العمل في حملته الانتخابية، متناسين أنّ مَن يبيعُ نفسَه مرّة، لديه الاستعداد كي يبيعها مرة ثانية وثالثة لمن يدفع أكثر، بل كيف يؤتَمن المُرتشي على مستقبلنا ومستقبل الوطن؟!
- في الخطبة برقم 192 من نهج البلاغة يقول أمير المؤمنين (ع): (فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلعن الله السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي) ولعلَّ هذا إشارة إلى قوله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرَائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) [المائدة: 78]، ومن أبسط صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مَنْعُ مثل هذه النماذج من تمثيل الأمة.
- النموذج الثالث يمثّل حالة سلبية جداً في التمثيل النيابي، وهو نموذج مَن يُسمّون أنفسهم (نوّاب الخدمات)، وهو العنوان المعيب للأسف في دولة لها دستور وقوانين ومحاكم.
- لا أحد يُنكر وجود مظلوميات على مستويات عديدة، ولكنّ الحل لا يكمن في إيصال نواب الخدمات إلى مجلس الأمة، بل في السعي لمزيد من تمكين تطبيق القانون، ومحاسبة المتجاوزين والمخالفين بكل حزم، وهو ما يستدعي إيصال نوّاب نزيهين يمتلكون رؤية وحساً وطنياً حقيقياً.
- بكل وضوح وصراحة، إيصال نواب الخدمات لا يعني سوى إجهاض الدور الرقابي والتشريعي
لمجلس الأمة، أي إفراغ هذه المؤسسة الهامة من محتواها، وهي التي تمثّل أحد الأركان الرئيسة لقيام دولة الدستور والقانون واستمرارها.
- نموذج رابع هو ذاك الذي يشتري أصوات الناخبين، تارّة بالمال، وتارة بالهدايا، وتارة بإنجاز المعاملات... معاملتك متوقفة؟ معاملتك غير قانونية؟ تفضّل اقسم على المصحف الشريف أنك ستصوّت لي وأنا في المقابل أُنجز معاملتك.
- ومن يشتري الأصوات قد يبيع ويشتري أيَّ شئ ما دام أن ذلك يُحقِّق له مصالحه الشخصية، فهل نطمح بمثل هذا النموذج ممثّلاً لنا؟
- إننا عندما نشهد مجالسَ نيابية باهتة اللون، ولا تؤدّي دورها الرقابي والتشريعي بالمستوى المطلوب، ولا تساهم في عملية التخطيط والتنمية لمستقبل الوطن بما يتوافق مع تطلّعات المواطنين، وتتعالى في الأصداء أصوات التذمّر من ذلك كلِّه، فإنّ جانباً كبيراً من ذلك يتحمّله المواطنون أنفسُهم الذين أوصلوا هؤلاء النواب إلى المجلس، ولا قيمة لتذمِّرهم حينذاك، لأنهم إنما يتذمّرون من أنفسهم ويخادِعونها ويخادِعون الآخرين بإظهار الغيرة على الوطن، والقلق من المستقبل، والشكوى من التخبّط، وعدم تطبيق القانون والمحسوبيات، في حين أنهم الملامون بالدرجة الأولى على ذلك. الانتخابات قادمة، والوعيُ في حُسن الاختيار مطلوبٌ على أعلى مستوى، لئلا نكرر تجاربنا الخاطئة، ولا نقع ضحية شعارات أو مظاهر زائفة يرفعها البعض أحياناً، بعنوان التدين، أو الانحياز لمذهب، أو لقبيلة، أو الوطنية، أو لغير ذلك من العناوين، فلا التديّن لوحده يجعل المرشّح صالحاً لتمثيل المواطنين، ولا التماثل المذهبي، ولا الانتماء القبلي، ولا التشدّق بالشعارات الوطنية، بل يفترض بالناخبين أن يبحثوا عمّن يمتلك المؤهلات المتعددة المطلوب توافرها في ممثّل الأمة، ومن يتّصف بالنزاهة والشرف في أعلى مستوياته، ومن يُقدِّم الصالح العام على مصالحه الخاصة أو الفئوية، ومن لا يعتبر أن دخوله قاعة البرلمان يعني أن الحظ قد ابتسم له، بل يعني أن ظهره صار مُثقلاً بالمسئولية التي سيُحاسبه التاريخ إن فرّط بها، وسيمجّدُه إن أحسن النهوض بها.

11/27/2020

لمشاهدة جميع الخطب المرئية اضغط هنا