خطبة الجمعة 28 محرم 1444: الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: سكرة الانتصار

- كان الانتصار الميداني الذي حقّقه الجيش الأموي على معسكر الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء مبعثاً للشعور بمزيد من الاستعلاء والطغيان والاستكبار لدى السلطة الحاكمة وجلاوزتها.
- وهذا ما انعكس من خلال مواقف وكلمات بعضهم، ففي الخبر (أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَأَذِنَ إِذْناً عَامّاً، وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ [ع] فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الْحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ) من الواضح بحسب هذا الخبر حالة الغطرسة التي عاشها ابن زياد في تلك اللحظة.
- ويؤكد ذلك قوله مخاطباً السيدة زينب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ!) ولكن يبدو أنه تفاجأ بالرد الصاعق من قبلها وهي في وضع كان يتوقّع منه أن تشعر من خلاله بالضعف والهوان فتترجى منه الرحمة، حيث قالت (إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا).
- وحاول مجدداً أن يظهر أمام الحضور بمظهر المنتصر وتدارك الوضع، فقال: (كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ) فأرجعته بهذه الكلمات القاسية إلى حجمه الطبيعي بعد ذلك الاستكبار والانتفاخ.
- وهكذا نجد يزيد يكرّر ذات الأمر وهو على وشك إدخال قافلة الأسرى عليه في قصره في الشام، حيث وضع رأس الحسين بين يديه، وصار ينكت بقضيبٍ على شفتيه (ع) وينشد بحسب ما جاء في تاريخ الطبري:
ليْتَ أشْياخي ببَدْرٍ شَهِدُوا جزعَ الخزرجِ منْ وَقعِ الأسلْ
قد قَتَلْنا القَومَ مِن سَاداتِكم وَعَدَلنا مَيلَ بَدرٍ فاعْتَدلْ
فَأهلّوا واستَهلّوا فَرحاً ثُمّ قَالوا: يا يَزيدَ لا تَسَلْ
لَستُ مِن خندفِ إنْ لَم انتَقِمْ مِن بَني أحمدَ ما كانَ فَعَلْ
وَلَعتْ هَاشمُ بالملكِ فلا خَبرٌ جَاء، ولا وحيٌ نَزلْ
- هذه الكلمات والمواقف وغيرها تأتي متناغمة مع قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [العلق:6-7] الاستغناء الذي قد يشعر به الإنسان من خلال كثرة المال، أو الأتباع، أو الشهرة، أو قوة الجسد، أو الانتصار في معركة، أو غير ذلك من العوامل.
- وقد نقل القرآن الكريم حوار أحد الذين شعروا بالطغيان والاستعلاء حتى على الله سبحانه بسبب كثرة ما عنده من نعيم، فقد دعاه صاحبه المؤمن لشكر نعم الله بالإيمان والعمل الصالح، وهو يأبى، فماذا كان منطقه؟ قال هذا الخائب المخدوع المغرور: (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) [الكهف:34-35].
- لاحظوا خطورة (سكرة) القوة والكثرة والغلبة والتي تُذهب قدرة الإنسان على التفكير بمنطقية، وتفقده توازنه في التخطيط والعمل، مع أن من بديهيات أي مشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي أن يأخذ صاحبُه بعين الاعتبار (تقييم المخاطر) وكيفية إدارتها، ومن المخاطر ما عبّر عنه القرآن الكريم في بيان حقيقة أن الأمور لا يمكن لها أن تستمر على نسق واحد في هذه الحياة، حيث قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران:140].
- وهذا ما سعت العقيلة زينب (رض) لبيانه حيث قالت: (أظننتَ يا يزيد، حيثُ أخذتَ علينا أقطارَ الأرضِ وآفاقَ السماء، فأصبحنا نُساقُ كما تُساقُ الأُسارَى أنَّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وإنَّ ذلك لعِظَمِ خَطَرِكَ عنده، فشمَخْتَ بأنفِكَ، ونظَرْتَ في عِطفِك، جَذلانَ مَسروراً، حين رأيتَ الدنيا لكَ مُستوسِقة، والأمور متَّسقة، وحين صفا لك ملكُنا وسلطانُنا؟ فمهلاً مهلاً، أَنَسِيتَ قولَ اللهِ تَعَالَى: [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ]).
- ولكن كانت سكرة القوة لدى يزيد أكبر من أي تنبيه، وإن أُحرِج في ذلك الموقف، وأُلقِم حجراً... ولذا بقي مصداقاً لقوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)، فقام بمجزرة الحَرّة في المدينة، ثم اعتدى على حرمة بيت الله بمكة واللائذين به بالحصار والضرب بالمنجنيق!
- وهذا درس من التاريخ، نحن بحاجة إلى أن نستفيد منه في واقعنا السياسي، وخاصة وأننا مقبلون في الكويت على انتخابات برلمانية قد تفرز -بحسب القرائن العديدة- معطيات مختلفة بشكل كبير عمّا كانت عليه في البرلمان السابق المنحلّ، وتتغيّر معها موازين القوى، وهو ما قد تَنتج عنه صورةٌ من صور تصفية الحسابات، ولربما يُبتلى الطرف الحائز على الأكثرية بسَكرة القوة والكثرة والغلبة، فيُعيدَ ذاتَ الأخطاء التي ارتكبها الآخر ضمن الموازين السابقة للقوة، ومِن خلال ما يملكه هذا الطرف أو ذاك -أو حاز عليه- من مفاصل القرار، أو يتمدّد من خلاله بصورة تفرّدية وحزبية، لا من خلال الاستحقاق بالكفاءة، بل من خلال الولاء للفرد أو الجماعة، فيكتسح كلَّ ما أمامَه، ويسعى لإلغاء كلِّ مَن يختلف معه، ويحوّلَ ما حولَه إلى حقل ملئ بالألغام، ليعرقل حركةَ الآخرين، ويكون الطريقُ مفتوحاً له وحده في السبيل الذي يحدِّده هو.... كل هذا على حسابِ الوطنِ، وثرواتِه ومقدّراتِه ومستقبلِه. وتتجلى هنا مسئولية أصحاب الحكمة في التحذير والتنبيه والعمل على ضرورة تحقيق الاتزان في اتخاذ القرارات، والاحتكام إلى دولة الدستور والمؤسسات، واعتماد العقل والحكمة -لا العاطفة والتحزّب- في إدارة الأمور وفق المعطيات الجديدة على الأرض.