خطبة الجمعة 12 شوال 1443: الشيخ علي حسن : الخطبة الأولى: زمن المستعرضين

- قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) [البقرة:204].
- هذه الآية الشريفة -في الأساس- تتحدث عن نموذج الإنسان المنافق الذي يحاول أن يستغل طيبةَ النّاس وبساطتَهم ، فيتظاهر لهم بالصلاح، ويتكلّم معهم بأسلوب وبمضمون يوهمهم من خلاله أنه صاحب نوايا طيبة، في حين أنه يُضمر خلاف ذلك، كما ويعمل خلافه: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة:205].
- ولكنها تشمل أيضاً في مدلولها ومصاديقها -ولو بصورة جزئية- نموذجاً آخر من الناس، وهو نموذج ذلك الإنسان الذي يوظّف المسائل الأخلاقية بطريقة غير أخلاقية، ولأغراض لا علاقة لها بصلب القضية، بل من أجل أهداف خاصة جداً، من أهمها الاستعراض والتباهي أمام الجمهور.
- فهو يتحمّس بقوة للعدالة الاجتماعية، أو الدفاع عن حق فئة من المجتمع، أو الدفاع عن الديمقراطية، أو ضد التعسّف في استخدام القوة، أو عن حقوق الفقراء، وأمثال ذلك، لا لشئ سوى أن يحصد من وراء ذلك المزيد من الإعجاب، والمزيد المتابعين، والمزيد من إعادة النشر.
- هذا الخلل الأخلاقي والسلوكي برز بشكل كبير جداً مع الإقبال منقطع النظير على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة، من قبيل التويتر والفيسبوك، وحتى اليوتيوب وكلوب هاوس، إلخ.
- إحدى أهم التقنيات التي استخدمتها هذه الشبكات والمنصات والتطبيقات: اعتماد حصد المتابعين و(الأصدقاء) وعدد مرات الإعجاب وإعادة التغريدات، بحيث تحوّل ذلك إلى غاية عند كثير من المستخدمين، وبدرجة تنافسية دفعت البعض منهم إلى (شراء) المتابعين والأصدقاء!
- وهكذا تحوّل الأمر إلى (هوس) بحيث يصبح المستخدم تحت (سطوة) وسلطة مشاعر النشوة التي كلما انخفضت مستوياتها، اندفع المستخدم للبحث عن قضية أخلاقية إنسانية جديدة، ليتفاعل معها -كلامياً- بكل حماسة وقوة، وبما يتوافق مع الجوّ والمزاج العام، وهذا هو الأهم بالنسبة إليه، أملاً في الحصول على جرعة جديدة من نشوة الشهرة والإعجاب به!
- وكلما ازداد الآخرون حماسة وقوة في الخطاب والتعليق، ازداد بدوره اندفاعاً ومغالاة أملاً في أن يتجاوز (منافسيه) ويفوقهم في التقييم العام، وفي الحصاد النهائي للحوار الدائر حول مسألة ما.
- في الواقع، أمثال هؤلاء إنما يوظّفون القضايا الإنسانية العادلة لقضية غير إنسانية وغير عادلة.
- وهناك نموذج آخر يظهر متحمّساً جداً ومندفعاً بشكل كبير في هذه الأجواء قد تصل إلى حد التنمّر، وليس غرضه من ذلك حصد الإعجابات وإعادة النشر، بل التغطية على سلوكياته السيئة في نفس هذا الإطار الذي تحمّس له.
- ومن الآثار السلبية الناتجة عن ذلك:
1. جرّ عددٍ غير قليل من مدمني الإعجاب والباحثين عن المتابعين، وإدخالهم في (دوّامة الردح) الذي لا نهاية له حول مسألة ما دون الوصول إلى نتائج حقيقية ملموسة.
2. التأثير السلبي على قضية عادلة، أو مسألة إنسانية، أو بُعد أخلاقي، وتشويه صورتها، أو تزهيد الناس فيها، وكل ذلك بسبب هذا (الاستعراض).
3. شخصنة القضايا الأخلاقية بحيث يتصوّر الفرد أنه أصبح وهذه القضية شيئاً واحداً، ولذا نجده ينفجر في وجه من يخالفه الرأي، أو يختلف معه في الموقف... لماذا؟ لأن عنصر الذاتية دخل على الخط... فهو في الواقع ينتصر لذاته لا للقضية الأخلاقية أو للمسألة الإنسانية، وهذا الانتصار للذات قد يتحوّل إلى مساعي للانتقام والأخذ بالثأر بتشويه صورة الآخرين وأمثال ذلك.
4. استنزاف للجهد العقلي والنفسي والوقت في قضايا قد لا تكون مثمرة، وعلى حساب قضايا حقيقية هي أكثر صدقاً ونفعاً.
5. إيقاع بعض الشباب المتحمسين في ورطات أمنية وقضائية وعقابية قد تكلّفهم سنوات من عمرهم دون أن يكونوا قد قدّموا خدمة حقيقية للمسألة التي تحمّسوا لها، بل ولربما كان بإمكانهم تقديم خدمة لها بصورة مختلفة تماماً وأكثر هدوء وعقلانية وحكمة.
- هذه المسألة والأفكار طُرحت مؤخراً في الأروقة العلمية ضمن بحوث (فلسفة الأخلاق)، ومن بين ما صدر كنتاج علمي عنه كتاب يحمل عنوانGrandstanding: The Use and Abuse of Moral Talk من تأليف جستن توزي Justin Tosi وبراندون وارمكي Brandon Warmke وتُرجم الكتاب إلى العربية بعنوان (الاستعراض: الحسن والقبيح في الحوار الأخلاقي).
- وبدأ تأليف الكتاب سنة 2014 ودخل في مخاضات نقاشية علمية كثيرة ضمن ورش عمل جامعية متعددة على مدى ست سنوات، وشارك في تحريره والإضافة عليه عدد من الفلاسفة وأساتذة الأخلاق والإدارة والتسويق وغيرها من المجالات العلمية حتى صدر سنة 2020.
- كل هذا يؤكد على أهمية هذه المسألة وخطورتها في نفس الوقت.
- أتمنى من كل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الحوارية وأمثالها – لاسيما شبابنا الأعزاء- مراجعة أنفسهم وتقييم مواقفهم بكل تجرّد ومصداقية وبعيداً عن الذاتية وضمن الأسئلة التالية: ما نسبة الاستعراض في مشاركاتي في هذا العالم الافتراضي؟ وما نسبة حضور الأنا فيها؟ وماذا لو لم أتلقَّ الإعجاب أو لم يقم أحد بإعادة نشر ما كتبت؟ وإلى أيّ مدى سأغيّر محتوى تغريداتي أو كلامي في المستقبل بناءً على ذلك وإرضاءً أو تماشياً مع الجو العام؟ وإلى أي مدى تظهر حماستي لقضية عادلة بعيداً عن العالم الافتراضي للإنترنت؟ وكم نسبة التزاماتي الأخلاقية في حياتي العملية في الرخاء والشدة؟ فلعل هذه الاستبانة الشخصية تكون وسيلة لمراجعة الأداء في هذا الإطار بعيداً عن عالم الاستعراض الافتراضي. وهذا لا يعني الكف عن مناصرة القضايا العادلة، كالموقف من الجرائم الصهيونية وآخرها جريمة اغتيال الصحفية الفلسطينية البطلة، فهذا مطلوب ومسئولية شرعية وأخلاقية وإنسانية، بل أن نجعل مواقفنا خالصة لوجه الله تعالى، وبعيدةً عن الرياء وتزكية النفس وغيرهما من العناوين التي تُحبِط العمل، وتسلب منه البركة، وقد تُفقدنا التوازن في المواقف، ولربما تجعلنا تابعين أو أدوات بيد من يحرّكون أجواء معيّنة بكل حماسة ليحصدوا مصالح انتخابية أو حزبية أو مخابراتية.