خطبة الجمعة 28 محرم 1441: الشيخ علي حسن : الخطبة الأولى: العزة والكرامة


- الوضع الطبيعي والعقلائي للإنسان أن يشعر بالعزة من جهة، وأن يسعى للحفاظ على كرامته من جهة أخرى... كما أن العزة والكرامة هبة الخالق (عز وجل)، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء:70]، وليس من حق الفرد أن يتنازل عن هذه الهبة الإلهية.
- ومن هنا نجد أن المجتمعات البشرية تحتقر وتستغرب سلوك مَن يهين نفسه، ويتصرّف بصورة تدل على الضِّعة والاحتقار للذات، إلا إذا كان مثل هذا التصرف ناشئاً عن سبب وجيه.
- مثال ذلك مَن يدخل السلك العسكري وهو يعلم أنه سيتعرّض لمواقف أثناء التدريب تجعله يتنازل عن شئ من كرامته وعزة نفسه، ففي مثل هذه الحالة لا يكون مُلاماً ومحتقَراً من قبل المجتمع.
- وفي القرآن الكريم توجيه صريح إلى أن العزة إنما تكون ممدوحة إذا كانت في مكانها المناسب، فمن جهة يقول: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8]، ومن جهة أخرى يقول: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:23-24].
- ولنلاحظ كيف يصف الإمام زين العابدين (ع) هذه الحالة في دعائه لوالديه: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَهَابُهُمَا هَيْبَةَ السُّلْطَانِ الْعَسُوفِ، وَأَبَرُّهُمَا بِرَّ الأمِّ الرَّؤُوفِ.... اللَّهُمَّ خَفِّضْ لَهُمَا صَوْتِي، وَأَطِبْ لَهُمَا كَلاَمِي، وَأَلِنْ لَهُمَا عَرِيْكَتِي....).
- إذا أردنا أن نقيّم هذه الحالة من منظور فردي شخصي، فهي ليست سوى تنازل عن الشعور بالعِزّة، وليست في صورتها الظاهرية إلا تنازل عن الكرامة الشخصية.. ولكنها في عمق الصورة، وبنظرة شمولية بعيدة عن النظرة الفردية الضيقة، ليست إلا رِفعة وعزة وكرامة حقيقية.
- والسبب أن هذا التنازل يتم عن إرادة وقناعة، وليس تحت الضغط، ولأنه مرتبط بقيمة أخلاقية أعلى وهي بر الوالدين، ولأنه يحقق نتائج مهمة على صعيد الأسرة، حيث يحقق لها عزتها وقوتها وتلاحمها وتراحمها وكرامتها، ويحقق للمجتمع ككل - من خلال قوة الأسر باعتبارها الوحدات الاجتماعية الصغيرة المؤلفة للمجتمع - العزة والقوة والتلاحم والتراحم والكرامة.
- من هنا نفهم أيضاً مغزى قول النبي (ص): (عليكم بالعفو، فإن العفو لا يزيدُ العبدَ إلا عِزاً، فتعافوا يُعزِّكم الله)، وفي رواية أخرى: (من عفا عن مَظلَمةٍ، أبدَلَه الله بها عِزاً في الدنيا والآخرة).
- في الكافي بسنده عن صفوان الجمال قال: (وقع بين أبي عبدالله (ع) وبين عبدالله بن الحسن كلام حتى وقعت الضوضاء بينهم واجتمع الناس، فافترقا عشيتهما بذلك، وغدوت في حاجة فإذا أنا بأبي عبدالله (ع) على باب عبدالله بن الحسن وهو يقول: يا جارية، قولي لأبي محمد. قال: فخرج، فقال: يا أبا عبدالله، ما بكَّر بِك؟ قال: إني تلوت آية في كتاب الله عزوجل البارحة فأقلقتني. فقال: وما هي؟ قال: قول الله عزوجل ذِكْرُه: [الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب]. فقال: صدقت، لكأنّي لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله قط، فاعتنقا وبكيا). والقضية ترتبط بالثورة التي أعلنها عبدالله ضد الأمويين، وكان الإمام الصادق (ع) يرفض الانضمام إليها، وينبّه عبدالله من مكيدة العباسيين، فاتّهمه عبدالله بالحسد.
- فالإمام الصادق (ع) لم يكن هو المخطئ، ومع هذا وجد أن صلة الرحم، وإصلاح ذات البين، تستوجبان منه مثل هذه المبادرة، وهي من أسباب تحقيق العزة والكرامة للكيان الأسري والمجتمعي، فلم يتأخر عن ذلك، وإن كان في سلوكه هذا قد قدّم تنازلاً، ولكنه في الواقع حقق مكاسب كبيرة.
- والسؤال: إلى أي مدى نحن جعفريون، ومن شيعة جعفر الصادق عندما نوضع في مثل هذا الموقف؟ لا يكفي لكي تكون جعفرياً أن تلتزم بفقه جعفر (ع)، في الطهارة والصلاة والنكاح والطلاق.. بل أن يكون سلوكك العام أيضاً متناغماً مع سلوك الإمام جعفر الصادق.