خطبة الجمعة 8 صفر 1434 ـ الشيخ علي حسن ـ الخطبة الثانية : ولادة المسيح والنية الصالحة


(إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)(آل عمران:45). إذ يستقبل العالم ذكرى مولد السيد المسيح عيسى بن مريم(ع) نتوقف نحن مع بعض آيات القرآن الكريم من سورة آل عمران ابتداء من الآية 33، والتي تحدثت عن أجواء ولادة هذا النبي المبارك، لنستلهم منها بعضاً من الدروس والعبر.
ـ والملفت للنظر أن الآيات تخطّت ولادته إلى ولادة أمه المكرمة وولادة النبي يحيى(ع)، في ترابط ونسق روحاني، تنعكس فيه حالة الارتباط بالله، والابتهال إليه عندما تتعقد أمامها الأمور، وترجع إليه عندما تُطَبِق عليها المشاكل، ولذا فإن الله يعاملهم معاملة مميّزة تنطلق من رضاه عنهم وتقديره لروحيتهم.
ـ قال تعالى ممهداً سرد القصة: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ،
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) اصطفاءً لم يأتِ من فراغ، بل اصطفاء وتفضيل قائم على الملكات والصفات الذاتية التي تحلّوا فيها. كما أنه ليس الاصطفاء الذي يأتي من أجل أن يتبرّك به الناس تمسّحاً وتقبيلاً وتفاخراً بالانتماء إليه، كما يتصوّره الكثيرون.. ولا هو بالاصطفاء من أجل أن نؤمن بهم ونعصي الله، ليفتدونا بالخلاص في الآخرة.. بل هو اصطفاءٌ لحمل الرسالة الإلهية من أجل أن يكونوا هداةً للعالمين، وليكونوا المثُل العليا الفاعلة على الأرض والتي من خلالها يُصلح الناسُ أنفسَهم.
ـ وتبدأ الآيات بسرد القصة انطلاقاً من الحقائق السابقة، لكي نتعامل مع التاريخ التعامل الواعي المعتبِر من القصة، لا التعامل السطحي الذي يبحث في بعض التفاصيل غير المهمة، لتضيع معها الفكرة، والتي هي الأساس في المسألة، ثم لتُنسج معها الكثير من التفاصيل الخيالية التي لا تستند إلى دليل، وكأن الإنسان يتعامل مع قصة من قصص ألف ليلة وليلة!
ـ (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ولعل أكثر ما يشغل الزوجة اليوم في ابتداء تلقّيها خبر الحمل هو موضوع التجهيزات لغرفة الاستقبال بعد الولادة، وفي تأثيث غرفة المولود، وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة والمملة والمنهِكة التي تعتاش عليها السوق الاستهلاكية.. لقد تحدث القرآن عن هذه السيدة الجليلة وكيف كان همُّها الأكبر أن تجعل مولودَها عبداً صالحاً في خدمة الله.. وهكذا يريد لنا الله أن نكون إذا أردنا أن نرتفع في قيمتنا عنده، أن نجعل همَّنا الأكبر في هذا الإطار يتمثل في كيفية إعداد هذا المولود ليكون مع الله، لا مع الشيطان.
ـ وكانت المفاجأة أنها على الرغم من نذرها وأمنيتها في أن يكون المولود ذكراً.. كان المولود أنثى.. وخالت في الوهلة الأولى أن طبيعة الأنثى لن تتلاءم مع خصوصيات ذلك النذر.. ولكن هذه السيدة الجليلة أصرّت على المضي في أن تجعل مولودتها في خدمة الله: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) وتحقق حلمها حتى غدت السيدة مريم كما قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) وكما قال سبحانه: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). ولتكون سبباً في ولادة إنسانٍ آخر مبارك (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء، فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ).
ـ وهكذا يتفرع كل هذا الخير من نية خالصة لامرأة عمران.. نبيّان من أعظم الأنبياء، وسيدة اصطفاها الله وطهّرها فكانت واحدة من أربع هنّ خير النساء على مر التاريخ، تطوف حولها الملائكة وتخدمها وترعاها وتبشِّرها: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ).
ـ وبذا تتمثل قيمة نية الخير، فلا تستصغروا عملاً ما، فقد يجعل الله فيه خيراً كثيراً، وآثاراً عظيمة، وكما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (ع): (إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عَبَادِهِ الْجَنَّةَ).
ـ ثم يرزق الله مريم بالمولود المبارك، ويعيشان التحديات الرسالية الصعبة، اتهاماً وسخريةً ومحاربةً.. لينطلق المسيح(ع) ـ مؤيَّداً بالآيات ـ في صبر وصمود ودعوة إلى الله بأسلوبه الوديع النابض بالمحبة.
ـ ولكنَّ القوم أغلقوا آذانهم عن كلماته، وأغمضوا أعينهم عن معجزات الله على يديه، وعطّلوا عقولهم عن التفكير في ما يدعوهم إليه، لأنَّ القضية الأساس عندهم هي العناد والجحود، لا الحجة والبرهان.
ـ فربح المرسلون وأنصارُهم رضوانَ الله، وخسر الكافرون بهم: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ، وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
ـ هذه هي قصة الرسل والرسالات كما يعرضها القرآن الكريم، في وحدة الخط، وفي وحدة الهدف، وفي تشابه التحديات.. فلماذا يعيش المؤمنون بها كل هذا التنافر العجيب؟ إنّ مشكلة الأديان والمذاهب أحياناً، ليست في أسسها أو في خطوطها الكبرى، وإنّما في العصبيَّات التي يعيشها الأتباع؛ لأنَّها تغلق على الإنسان عقلَه وفكره، وتجعله يعيش في زنزانة دائرته الخاصَّة، ليحوّل الدين أو المذهب إلى وسيلة لبلوغ مأرب شخصي، أو تنفيسٍ عن عقدة نفسية، أو غطاءٍ يعمل من ورائه لتحقيق نواياه الشيطانية.