آخر بركان قرب المدينة المنورة عام 654 هـ

جاء في كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة
علي حافظ ص 31-32
ط2/ 1405هـ

نار الحجاز: ثورة البركان
ومن أهم أحداث المدينة المنورة ثورة البركان الذي ثار في الحرة الشرقية بالنسبة للمدينة المنورة وذلك سنة 654هـ وقد تحدث الرسول الكريم عن نار هذا البركان.
قال: كما روي في الصحيحين
"لا تقوم الساعة حتى تظهر نار في الحجاز... وروى البخاري نار في أرض الحجاز تضبئ أعناق الإبل في بصرى".
وعن رافع بن بشر السلمي عن أبيه مرفوعاً "يوشك نار تخرج من حبس وسيل تسير سير مطية الإبل تسير النهار وتقيم الليل (وحبس بالضم والسكون بين حرة بني سليم والسويرقية) (وحرة بني سليم تحت قاع حمى النقيع شرقاً) (والنقيع هو في أعلى وادي العقيق).
وثار هذا البركان ثوراناً عنيفاً وقد وصفه المؤرخون وقالوا أنه سبق ثوران البركان زلزال عنيف تردد في يوم واحد (18) مرة واهتزت له المنابر وسمع لسقف المسجد صرير عظيم.
وقال القسطلاني- وهو غير شارح البخاري- فلما كان يوم الجمعة نصف النهار ظهرت تلك النار فثار من محل ظهورها في الجو دخان متراكم غشى الأفق سواده فلما تراكمت الظلمات وأقبل الليل سطع شعاع النار فظهرت مثل المدينة العظيمة.
وقال القرطبي (وقد خرجت نار بالحجاز بالمدينة الشريفة وكان بدؤها زلزلة عظيمة ليلة الأربعاء ثالث جمادى الأولى سنة 654هـ واستمرت إلى ضحى يوم الجمعة فسكنت وظهرت النار قال: وكانت ترى صفة البلد العظيم عليها سور محيط عليها شراريف وأبراج ومآذن ويرى رجال يقودونها لا تمر على جبل إلى دكته وأذابته ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق وله دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم فانتهت النار إلى قرب المدينة المنورة) وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر...
قال القرطبي وقال لي بعض أصحابنا رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جبال البصرى. وقال القسطلاني: إن ضوءها استولى على ما بطن وظهر حتى كأن الحرم والمدينة قد أشرقت بهما الشمس. ونقل أبو شامة أنها رؤيت من مكة ومن الفلاة جميعها ومن ينبع: وروى أبو شامة أيضاً أنه أخبره من يثق به أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.
وقال العماد بن كثير: أخبرني قاضي القضاة صدر الدين الحنفي عن والدة الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة بصرى أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة الليلة التي ظهرت فيها هذه النار أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم على ضوء تلك النار.

ص 32-33
ثوران البركان ثلاثة شهور
وقد استمر ثوران البركان مدة ثلاثة شهور كما رواه المؤرخون يسكن مرة ويثور أخرى حتى همدت ناره نهائياً.
وقد زحفت نار البركان متسنمة ظهر الحرة الشرقية للمدينة حتى وصلت إلى قرب جبل وعيرة واستمر زحفها عبر وادي قناة (سيدنا حمزة) محاذية جبل أحد من شرقه إلى أن قربت من حرة العريض فانطفأت.
قال القسطلاني: إن طرفها الشامي الذي يلي الحرم- حرم المدينة- اتصل بجبل وعيرة على قرب من شرق جبل أحد وإنها مضت في زحفها في وادي الشظاة الذي في طرفه وادي حمزة حتى استقرت تجاه حرم النبي فوقفت وانطفأت.
قال السيد السمهودي وهذا أولى بالاعتماد- ونقل أبو شامة أن سيل هذه النار انحدر مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد وكادت النار تقارب حرة العريض وانطفأت هناك ورجعت تسير في الشرق... وقال بعض المؤرخين: إنها سالت سيلاً ذريعاً في وادي طوله أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف وهي تجري على وجه الأرض والصخر يذوب ويتجمع في آخر وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة حتى سدت الوادي بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار... وأقول إن سيل وادي قناة (الشظاة) قد سد وحجز خلفه آلاف الأطنان من الماء ويسمي أهل المدينة ناحية السد والماء المحجوز خلفه بالعاقول ويمكن مشاهدته بالسير على خط إسفلتي على بعد نحو 22 كيلو متراً عن المدينة... ومن جبل مقعد مطير حيث تجثم في سطحه محطة مائية للعين الزرقاء ذات خزانين سفلي وعلوي لتزويد المدينة بالماء يمكن مشاهدة الحجارة المصهورة على بعد نحو 8 كيلو مترات عن المدينة.
ورواية المؤرخين كلها لا تختلف إلا لفظا وكلها تدل على هول هذه النار وزحفها صوب المدينة. وقد حمى الله منها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.