ليالي عاشوراء 1446 - الليلة الثالثة - فلسفة الثورة الحسينية

لماذا ثار الإمام الحسين (ع) إلى العراق؟
طُرحت في مجال فلسفة النهضة الحسينية والأهداف التي ترمي إليها نظريّات عديدة:
1ـ النزوع نحو الشهادة.
2ـ طلب الحكم.
3ـ الفرار من الموت.
4ـ الأهداف المتوازية.
5ـ مواجهة الانغلاق السياسي السائدة في عصر يزيد.
6. الأهداف ذات المستويات المتعدِّدة.
1. النزوع نحو الشهادة:
لعل القراءة السائدة في أذهان كثير من الناس أنه (ع) خرج -من المدينة فمكة - عازماً على الشهادة قتلاً في سبيل الله تعالى، أي أنه خرج وهو يستهدف أن يُقتَل في مواجهته مع الأمويين، لأنه كان يرى أن الأوضاع السائدة لا يمكن تغييرها إلى الأفضل إلا بقتله، لأن حجم الانحراف كبير، كما أن مقدار الغفلة كبير، فلكي تخرج الأمة من غفلتها كان لابد من حدث عظيم وزلزال معنوي كبير... وهو ما تمثّل في استشهاده والثلة الطيبة من أهل بيته وأنصاره، وما جرى من سبي للنساء والأطفال... لقد كانت رؤيته (ع) أن دماءه الزاكية ستكون منطلقاً لتعرية يزيد والأمويين، وسلب الشرعية عنهم، وتحفيز الناس للإقبال على الثورة والتضحية واسترخاص الأنفس من أجل إيقاف المشروع الأموي التدميري أو إبطاء حركته على أقل تقدير، وإعادة شيء من معالم الإسلام وأحكامه ومفاهيمه وقيمه ممّا عمل الأمويون على تغييره وتحريفه خلال قرابة العشرين سنة من حكمهم.
اتفق على هذا التفسير -عبر التاريخ الشيعي- عدد من العلماء والمفكرين، ولكن اختلفوا أحياناً في بعض التفاصيل، وهذه نماذج من ذلك:
أ) السيد ابن طاووس (علي بن موسى بن جعفر / ت 664 هـ): ذكر في كتابه (اللهوف في قتلى الطفوف) بصورة إجمالية أنّ الإمام الحسين (ع) كان على علم بعاقبة أمره، وأنه سيُقتَل، وإنّما كان يتعبّد بهذا الموضوع؛ أيّ إنّه كان يرى نفسه مكلَّفاً بما قام به. ولربما يشير السيد ابن طاووس إلى ما جاء في بعض الروايات التي ذكرها الكليني في الكافي في الباب ٦١ من المجلد الأول، وهي خمسة روايات ضعيفة السند جاءت تحت عنوان (بَابُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ عليهم‌السلام لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئاً وَلَايَفْعَلُونَ إِلاَّ بِعَهْدٍ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَمْرٍ مِنْهُ لَايَتَجَاوَزُونَه).. عَنْ مُعَاذِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه‌السلام، قَالَ: (إِنَّ الْوَصِيَّةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلى مُحَمَّدٍ كِتَاباً لَمْ يَنْزِلْ عَلى مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كِتَابٌ مَخْتُومٌ إِلاَّ الْوَصِيَّةُ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه‌السلام: يَا مُحَمَّدُ، هذِهِ وَصِيَّتُكَ فِي أُمَّتِكَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِي يَا جَبْرَئِيلُ؟ قَالَ: نَجِيبُ اللهِ مِنْهُمْ وَذُرِّيَّتُهُ، لِيَرِثَكَ عِلْمَ النُّبُوَّةِ كَمَا وَرِثَهُ إِبْرَاهِيمُ عليه‌السلام، وَمِيرَاثُهُ‌ لِعَلِيٍّ عليه‌السلام وَذُرِّيَّتِكَ مِنْ صُلْبِهِ». قَالَ: «وَكَانَ عَلَيْهَا خَوَاتِيمُ» قَالَ: « فَفَتَحَ عَلِيٌّ عليه‌السلام الْخَاتَمَ الْأَوَّلَ، وَمَضى لِمَا فِيهَا؛ ثُمَّ فَتَحَ الْحَسَنُ عليه‌السلام الْخَاتَمَ الثَّانِيَ، وَمَضى لِمَا أُمِرَ بِهِ فِيهَا؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ عليه‌السلام وَمَضى، فَتَحَ الْحُسَيْنُ عليه‌السلام الْخَاتَمَ الثَّالِثَ، فَوَجَدَ فِيهَا: أَنْ قَاتِلْ فَاقْتُلْ وَتُقْتَلُ، وَاخْرُجْ بِأَقْوَامٍ لِلشَّهَادَةِ، لَا شَهَادَةَ لَهُمْ إِلاَّ مَعَكَ» قَالَ «فَفَعَلَ عليه‌السلام؛ فَلَمَّا مَضى دَفَعَهَا إِلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهما‌السلام قَبْلَ ذلِكَ، فَفَتَحَ الْخَاتَمَ الرَّابِعَ، فَوَجَدَ فِيهَا: أَنِ اصْمُتْ وَأَطْرِقْ؛ لِمَا حُجِبَ الْعِلْمُ؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَمَضى، دَفَعَهَا إِلى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عليهما‌السلام، فَفَتَحَ الْخَاتَمَ الْخَامِسَ، فَوَجَدَ فِيهَا: أَنْ فَسِّرْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى، وَصَدِّقْ أَبَاكَ، وَوَرِّثِ ابْنَكَ، وَاصْطَنِعِ الْأُمَّةَ، وَقُمْ بِحَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقُلِ الْحَقَّ فِي الْخَوْفِ وَالْأَمْنِ، وَلَاتَخْشَ إِلاَّ اللهَ؛ فَفَعَلَ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ». قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَأَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: فَقَالَ: «مَا بِي إِلاَّ أَنْ تَذْهَبَ يَا مُعَاذُ، فَتَرْوِيَ عَلَيَّ». قَالَ: فَقُلْتُ: أَسْأَلُ اللهَ -الَّذِي رَزَقَكَ مِنْ آبَائِكَ هذِهِ الْمَنْزِلَةَ- أَنْ يَرْزُقَكَ مِنْ عَقِبِكَ مِثْلَهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ. قَالَ: «قَدْ فَعَلَ اللهُ ذلِكَ يَا مُعَاذُ». قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَنْ هُوَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: « هذَا الرَّاقِدُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْعَبْدِ الصَّالِحِ وَهُوَ رَاقِدٌ). ‌
ب) السيد هبة الدين الشهرستاني (1386 هـ): طرح في كتابه (نهضة الحسين) رأيه المتفق مع الرأي السابق بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعلم بأنّه سيُقتل، وأن هذا قادم لا محالة، ولكن لم يُشِر إلى أن حركته جاءت تعبدياً، بل من خلال أنه علم مسبقاً بأنه سيُقتَل، سواءٌ بايع أم لم يُبايع، مع فارقٍ، وهو أنّه إذا بايع فإنّه سيُقتَل بالإضافة إلى اندثار مجده وآثار جدّه، بينما إذا لم يُبايع فسيُقتَل فقط، لكنْ مع تحقُّق آماله، وحفاظه على الشعائر الدينيّة، وحصوله على الشرف الأبدي، ومن هنا اختار أن لا يبايع وأن يخرج ويُقتَل لتترتب النتائج المنظورة.

ج) شريعتي (علي / 1395 هـ): اعتبر أن الهدف الوحيد للإمام الحسين -منذ بداية تحركه- هو الشهادة، والغاية من ذلك التنديد بالظلم، وفضح ممارسات يزيد، وضخّ دم جديد من الحياة والجهاد في عروق الجيل الثاني من الثورة النبويّة.
وطرح شريعتي احتمالين:
الأول، علم الإمام -بصورة غيبية- أنه سيُقتل في ثورته هذه.
الثاني، لم يمتلك علماً بذلك بصورة غيبية، كما ولم يكن مطَّلعاً على خيانة الكوفيّين، إلا أن القرائن والشواهد المتوفّرة في ذلك الوقت، علاوةً على النظام السلطوي لإمبراطورية بني أميّة المتماسكة إلى درجةٍ كبيرة، كلّ ذلك كان يدل على عدم وجود أيّة فرصة لتحقيق انتصار ميداني على الأمويّين، لاسيما مع فارق العدد في الأنصار والمقاتلين، ولذا فإن الشهادة كانت هي المبدأ الأساسي والهدف النهائي من ثورته، ولم تكن الشهادة هدفاً مستجداً مال إليه في أثناء الطريق إلى الكوفة حيث تبدّلت الظروف وانكشفت له بعض الحقائق الميدانية.
وسواء قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني، فإن الإمام (ع) خرج قاصداً الشهادة، ومصمّماً على نيلها، وعالماً منذ بدء تحرّكه بأنها المآل الحتمي في إطار الصراع بين التوحيد والشرك.. لقد قاد النبي الثورة الأولى للتوحيد ضد الشرك، وقاد الإمام الحسين الثورة الثانية.
هذه القراءة التي قدّمها شريعتي تُشكِّل قسماً من رؤيته حول تاريخ التشيُّع وفلسفته، حيث يذهب إلى أنّ التشيّع -على خلاف المذاهب الأخرى- يعتمد على فلسفة التاريخ، ويبني الأئمة (ع) مواقفَهم من خلال ذلك. فما جرى في كربلاء كان أمراً مقصوداً من أجل حصد النتائج والآثار التي ستتعاقب عبر الزمن، حيث من الخطأ أن يتم حصر واقعة الطف في نطاق عصرها، بل يجب تعديتها لتشمل نطاقاً أوسع من تاريخ التشيّع والتحوّلات الطارئة عليه... لقد كان الإمام الحسين (ع) يسير في طريق واضح المعالم، نحو هدفٍ معلوم، وبنتائج محدَّدة مخطَّط لها مسبقاً.
د) طرح البعض فرضية الفداء بالنفس في سبيل العفو عن ذنوب الشيعة، في حاضر الحدث ومستقبل الأيام، وهي فرضية مستقاة -بحسب الظاهر- من نظرية الفداء عند المسيحيين، وهي التي صاغها (بولس الرسول) وأثّر من خلالها بشكل كبير في فهم حقيقة الرسالة العيسوية، حيث تجعل لبعثته غاية مركزية ذات صبغة فردانية تتمثل في خلاص المؤمن به... وأثّرت على سلوكيات الشخصية المسيحية، بحيث يتجرأ على المعصية ثقةً منه بالفداء. وهذه القراءة (ذات الطابع الإرجائي) بعيدة حتماً عن المفاهيم الإسلامية.
ولا يبتعد كثيراً عن هذا الجو (الخلاصي) ما يركّز عليه البعض عند استعراض قضية كربلاء، والأحداث الدامية فيها، على المنفعة المتحققة على المستوى الفردي، على اعتبار أن الحزن والبكاء عليها تفتح أبواب المغفرة والرضوان، وتأخذ بالإنسان إلى الجنان... وأما الانعكاسات التي خلّفتها أحداث كربلاء وعلى رأسها استشهاد الإمام الحسين (ع) على المستوى السياسي والثوري والفكري والديني والاجتماعي وغيرها، فليست محطّ اهتمامهم وانشغالهم عند تناول القضية بالعرض والسَّرد.
وقد حاول بعض أصحاب المقولات السابقة ومن يتّفق معهم الرد على الإشكالية التالية: إذا كان الإمام (ع) يعلم سلفاً أنه سيُقتل في ثورته تلك، وأن القوم سيخذلونه...
فلماذا اتخذ الإجراءات المتعددة، من قبيل إرسال رسوله مسلم بن عقيل وتعريضه للموت هناك؟
ولماذا راسل الإمام (ع) كبار شخصيات البصرة وطلب منهم النصرة؟ ولماذا ولماذا؟
ولماذا أرسل قيس بن المسهر الصيداوي وعبدالله بن يقطر كمبعوثين من قبله، وانتهى أمرُهما بالقتل؟
ولماذا طلب السماح له بالرجوع إلى محلّ إقامته في المدينة حين منعه الحُرُّ من المضيّ قُدُماً، وكذلك حين كلمه عمر بنُ سعد محاولاً إقناعه، فعرض عليه الإمام (ع) خيارات من بينها العودة من حيث أتى؟
وجاء ردّهم الإجمالي -وباختصار- بأن الإمام (ع) أراد أن يقيم عليهم الحُجّة، لئلا يقول أحدٌ منهم أني لم أكن أعلم، وعندما استجاب لأهل الكوفة، أراد أن يمنع من دخول اليأس إلى قلوبهم، لأنّه قد مرّت سنوات متوالية -من بعد استشهاد الإمام علي (ع)- دون أن يستجيب أهل البيت لدعوة الناس للخروج على الحكم الأموي.
2. طلب الحكم:
ترتكز هذه القراءة على أنّ خروج الإمام الحسين (ع) من المدينة فمكة باتجاه العراق إنما كان في الأساس من أجل انتزاع السلطة من الأمويين في الكوفة -ابتداءً- وإقامة حكم إسلامي عادل. وقد عرض أصحاب هذا الرأي قراءتهم بأكثر من صورة:
أ ) الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (460هـ) في كتابه (تلخيص الشافي): (الاعتراض بموقف الحسين (ع) تجاه السلطة الحاكمة وإلقاء نفسه بالتهلكة- مع علمه بذلك- ورفضه لنصيحة أصحابه إلى غير ذلك من الاعتراضات) ذكر الإشكالات ثم قال: (قد علمنا أن الإمام متى غلب على ظنه: أنه يصل الى حقه والقيام بما فوّض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقة يحتمل مثلها تحملها، وأبو عبد اللّه عليه السّلام لم يسر الى الكوفة إلا بعد توثق من القوم وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه عليه السّلام طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها...‏) وبعد الإتيان بالشواهد قال: (وإنما أردنا بذكر هذه الجملة أن أسباب الظفر بالعدو كانت لائحة، وأن الاتفاق السببي هو الذي عكس الأمر وقلبه حتى تم فيه ما تمّ. و قد همّ أبو عبد اللّه عليه السّلام لما عرف بقتل مسلم وأشير عليه بالعود، فوثب إليه بنو عقيل فقالوا. واللّه، لا ننصرف حتى ندرك ثارنا أو نذوق ما ذاق أخونا، فقال عليه السّلام: لا خير في العيش بعد هؤلاء. ثم لحقه الحر بن يزيد ومن معه من الرجال الذين أنفذهم ابن زياد ومنعه من الانصراف وسامه أن يقدم على ابن زياد، نازلاً على حكمه فامتنع). ولم يكتف الشيخ الطوسي بذلك بل واعتبر أن الإمام الحسين (ع) عزم على الذهاب إلى يزيد كبديل أفضل من ابن زياد (ولما رأى ألّا سبيل الى العود، ولا إلى دخول الكوفة، سلك طريق الشام سائراً نحو يزيد بن معاوية، لعلمه عليه السّلام بأنه على ما به، أرقّ به من ابن زياد وأصحابه. فسار عليه السّلام حتى قدم عليه عمر بن سعد في العسكر العظيم، وكان مِن أمره ما قد ذُكِر وسُطِّر).
وفي هامش الكتاب علّق المحقق قائلاً: (... أما أنه أراد الشام ليزيد بن معاوية، فذلك تمحّل وتأوّل لا نُقرّ المصنف عليه، وليس عليه أي تصريح ولا تلميح من التاريخ، بل الدليل العقلي والنقلي على خلافه، واللّه العالم).
ب) الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي (ت 1427هـ) في كتابه الذي أثار جدلاً واسعاً وانقساماً كبيراً في الحوزات العلمية وبين العلماء والمفكرين في حينه (شهيد جاويد - الشهيد الخالد).
وخلاصة قراءته وتحليله لبواعث الثورة الحسينية أن الإمام (ع) لم يكن يسعى نحو هدف واحد من البداية حتّى النهاية، بل كان يغير هدفه ويحدده وفقاً لمتغيرات الظروف، ولذا قسّم الشيخ صالحي حركة الإمام ونهضته إلى مراحل:
المرحلة الأولى (من حين خروجه من المدينة إلى استقراره في مكة): صمود الإمام في وجه استفزازات الحكومة وأطماعها الزائدة، بهدف تقييم الظروف المحيطة به، وتحليل الأوضاع السائدة حوله، وتحيّن الفرصة التي يستطيع من خلالها العمل على إقامة الحكم.
المرحلة الثانية (بين الخروج من مكّة إلى مواجهة جيش الحُرّ): الصمود في وجه تجاوزات حكومة الأمويين، والعمل على الوصول إلى الحكم وتهيئة الظروف اللازمة لذلك من جهة أخرى.
المرحلة الثالثة (من حين مواجهة جيش الحُرّ إلى ما قبل المواجهة العسكرية بكربلاء): سعي الإمام إلى تجنّب وقوع الحرب، والتوصّل إلى صلحٍ مع المحافظة على شرفه ومكانته. وقد بلغ الإمام في سعيه هذا إلى حدّ إقناع عمر بن سعد بالصلح.
المرحلة الرابعة والنهائيّة (المواجهة العسكرية بكربلاء): الدفاع المستميت الذي يبعث على الفخر في مقابل هجوم دمويّ ووحشيّ من قبل العدوّ، وهو الدفاع الذي اختتم بشهادته (ع).
وقدّم الشيخ صالح شواهد على هذه القراءة، وهي:
1. إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة، والعمل على تهيئة الأرضية لقدوم الإمام، وإقامة الحكم، والمراسلات التي تمّت، وغير ذلك من الإجراءات التي تشير إلى حقيقة أن الإمام كان عازماً -من خلال نهضته- على إقامة حكم، لا الموت والشهادة.
2. أقوال أعداء الإمام، ومواقفهم، وردود أفعالهم، وإجراءاتهم، من قبيل إرسال جيش كبير، وطرق تخويف وترغيب الناس لمنع نجاح الثورة، وإطلاق عنوان (الخوارج) على من سعى لها، بمن فيهم الإمام نفسه.
3. اختيار مدينة الكوفة، باعتبارها المدينة الوحيدة التي كانت تتهيّأ لها الأرضيّة المناسبة من أجل إقامة الحكم، بحسب الظروف السائدة في ذلك العصر، فيكون الرجوع إليها -بعد عهد الإمام علي- علامةً على رغبته (ع) في العمل على إقامة سلطة وحُكم فيها وفق المبادئ الإسلامية الأصيلة، وتتمة لتجربة والده (ع).
4. أخذ البيعة من الناس، وخصوصاً في مكّة قبل الرحيل إلى الكوفة. والبيعة هي آليّة وعمليّة لها دور في تعيين الحاكم.
5. ردود أفعال بعض المعاصرين:
الفرزدق: (قلوبهم معك، وسيوفهم عليك)... قلوبهم معه في ماذا؟ وسيوفهم عليه في أي طريق؟ قلوبهم معه في تحقيق هدفه المنشود، وهو إقامة الحكم، ولكن سيوفهم عليه في مسعاه هذا.
عبدالله بن عبّاس: (وإنْ أبيتَ إلاّ محاربة هذا الجبّار…. واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فليُخرجوا أميرهم، فإنْ قَوَوْا على ذلك، ونفَوْه عنها، ولم يكُنْ بها أحدٌ يعاديك، أتيتَهم).
رسائل أهل الكوفة: (إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ، فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْحَقِّ. والنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي قَصْرِ الإِمَارَةِ لَسْنَا نجَتمعُ مَعَهُ فِي جُمُعَةٍ، ولا نَخْرُجُ مَعَهُ إِلَى عِيدٍ. ولَوْ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ أَقْبَلْتَ إِلَيْنَا أَخْرَجْنَاهُ حَتَّى نُلْحِقَهُ بِالشَّامِ إِنْ شَاءَ اللهُ).
ويرد على هذه القراءة:
1. خطابات الإمام الحسين (ع) وكلماته التي ضمّنها عنوان الشهادة، في مكة، وعند خروجه منها، وقد كانت الظروف -ظاهرياً- تصبّ لصالح تحقيق النصر، فلو كانت غايته إقامة الحكم لا الشهادة، لما كرّر التصريح بالشهادة.
2. تصريحات المعارضين لخروج الإمام (ع) والناصحين له مليئة بالتحذيرات والقلق والخوف من عاقبة تحركه، وهو ما يشير إلى أن الظروف الموجودة لا تُساعد على إقامة الحكومة، فكيف يكون ذلك خافياً على الإمام؟ إن هذا شاهد على نزوعه نحو الشهادة، لا على رغبته في الحكم.
- الرد (الشيخ الطوسي): (فأمّا مخالفة ظنّه لظنّ جميع مَنْ أشار عليه من النصحاء، كابن عباس وغيره، فالظنون إنّما تغلب بحسب الأمارات، وقد تقوى عند واحد وتضعف عند آخر. ولعلّ ابن عبّاس لم يقِفْ على ما كوتب به (ع) من الكوفة، وما تردَّد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق).
3. لو كان الإمام عازماً على إقامة الحكم، فلماذا أكمل رحلته بعد اطلاعه على مصير مسلم وتبدل الأحوال في الكوفة؟
الرد (الشيخ الطوسي): أراد الإمام العودة، ولكن موقف أسرة مسلم بن عقيل وإصرارهم على الأخذ بالثأر دفعه للمضي، وقال: (لا خير في العيش بعد هؤلاء).
3. الفرار من الموت:
من بين الآراء المطروحة لبيان سبب خروج الإمام (ع) إلى العراق، أنه هاجر تخلّصاً من محاولات الاغتيال التي لاحقته في المدينة ومكة، أي أنه لم يستهدف الموت في خروجه، بل فرّ منه، ولكن شاء الله تعالى أن تكون عاقبة الأمور هي الشهادة. الحسين(عليه السلام) يُعاني في المدينة من بعض الأوضاع التي أدّت في النهاية إلى استشهاده؛ ولهذا السبب اختار(عليه السلام) الهجرة إلى الكوفة.

وفي ذلك قال الشيخ علي پناه اشتهاردي في كتابه (هفت ساله چرا صدا در آورد؟ - لماذا استصرخت السنوات السبع؟) وقد ألّفه رداً على كتاب (شهيد جاويد) للشيخ الصالحي: (لقد كان خروج الإمام الحسين [ع] من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة باتجاه العراق؛ من أجل المحافظة على روحه، ولم يكن تمرّداً، ولا ثورةً، ولا حرباً ضدّ العدوّ، ولا بهدف إقامة نظام للحكم).
4. الأهداف المتوازية
طرح الشهيد الشيخ مرتضى مطهّري (1399 هـ) قراءة مختلفة عن كل ما سبق، حيث اعتبر أن الحدث العاشورائي لم ينتج من خلال سعي الإمام (ع) نحو هدفٍ واحد، بل هو حصيلة لمجموعة من الأهداف المتوازية والمتعدّدة، التي من الممكن أن يختلف مجال عملها وظرف تأثيرها. فبعض هذه الأهداف عاجلٌ جدّاً، ولإسكات الناس، أو حتّى المرافقين للإمام الحسين، وبعضها للتأثير في الأوضاع السياسيّة المعاصرة، وبعضها لإحداث آثار تاريخيّة وطويلة الأمد.
فالإمام الحسين عند اتّخاذه للقرارات لم يكن واقعاً تحت تأثير التحوّلات الطارئة والظروف المستجدة، ومنفعلاً بها، بل كان يصبو منذ البداية لتحقيق أهداف ثلاثة، وهي:
أوّلاً: نهوضه بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانياً: التخلّص من مبايعة يزيد بالهجرة إلى مكّة؛ لأنّ أجواء البيعة والرضوخ لسلطة يزيد كانت هي الحاكمة على المدينة في ذلك الوقت.
ثالثاً: الاستجابة لدعوات أهالي الكوفة.
مع المقارنة بين الأهداف، فالهدف الأوّل أهمّ من الثاني، والثاني أهمّ من الثالث.
5ـ مواجهة حالة الانغلاق السياسي السائدة في عصر يزيد
بحسب هذا الرأي فإنّ الإمام الحسين كان يعلم بأنّه سيسقط شهيداً على يد يزيد، سواءٌ كان ذلك في المدينة أو في مكان آخر، غاية الأمر أنّه (ع) سعى -من خلال استشهاده- إلى إحياء نهج المقاومة ضدّ يزيد، ونتج عن ذلك -فعلاً- تنامي قدرة المجتمع على الثأر، ومعاقبة المتسبِّبين في قتله واستشهاده.
إن عبارة «على الإسلام السلام» تشير إلى المحرِّك نحو الهدف النهائيّ الذي كان الإمام الحسين يتطلع إليه، فهو يريد أن يفتح أفقاً لتغيير الواقع المظلم الذي ألقى بظلاله على الإسلام كدين وممارسة حياتية، وعلى الحكم الإسلامي الذي صار متقوّماً بالظلم والفساد.
6ـ الأهداف ذات المستويات المتعدِّدة
في بعض الأحيان، تكون أهداف حركة الأئمّة (ع) على مستويَيْن: ظاهر؛ ومستور. فالمستوى الظاهري هو ذلك الأسلوب الذي تمّ طرحه على شكل سياسة إعلاميّة، وفي إطار السعي نحو هدفٍ مطلوب ومرغوب. وكمثال على ذلك: يُمكننا اعتبار دعوة الإمام الحسين (ع) إلى عزل يزيد، وإقامة نظامٍ عادل للحكم، بمثابة مستوى ظاهريّ لبعض المواقف، التي خُتمت في نهاية المطاف بواقعة كربلاء.
وقد يخفى علينا المستوى المستور من الأهداف، في حين أننا نعيش بركاتها دون أن نملك أدنى اطّلاع على ماهيّتها وطبيعتها، فقد يكون التاريخ -أحياناً- وحده القادر على كشف النقاب عن تلك المستويات الباطنيّة. ولذلك فقد كشفت لنا عاشوراء في هذا العصر عن خصوصيّاتها.
ثم إن بعض الأهداف قد تكون مجرد أداة لبلوغ هدف أسمى، ولم تكن مطلوبة في ذاتها، ولو وجد البديل الأفضل للجأ إليه الإمام (ع)، وذلك من قبيل اللجوء إلى الكوفة والاستجابة للكوفيّين، فقد كان الأمر مجرَّد شكلٍ من أشكال الاستفادة من الظروف الاجتماعيّة؛ في سبيل تهيئة الأرضيّة المناسبة للوصول إلى الأهداف المهمّة والرئيسة، ولا تحظى بأهمّية ذاتيّة في تكوين الحدث العاشورائي.
رأيي:
وبغض النظر عن القراءات السابقة، فإنا شخصياً لا أميل إلى أن الإمام (ع) خرج من أجل أن يُقتل ويستشهد، لتُثمر هذه الشهادة عن نتيجة ما على صعية الأمة الإسلامية التي كانت تعيش سباتاً وخضوعاً غريباً، بل خرج لغاية تأسيس حُكم يقوم على مبادئ الإسلام والعدالة، ولو أدّى ذلك إلى تقديم التضحيات الجسام، فإن كان السعي لإنجاز هذه المهمة لن يتحقق إلا بتقديم الشهداء فليكن... وإن كان الأمر لن يتحقق، ولكن ستُثمر الحركةُ نفسُها عن نتائج إيجابية على صعيد تحريك الأمة وتوعيتها وتجرؤها على قول كلمة (لا) وعلى التعبير عن رأيها المناهض للباطل والفساد والظلم والاستكبار والانحراف، فليكن... وإن كانت الأمور ستسير في اتجاه مختلف، بحيث تنتهي باستشهاد الإمام (ع) نفسِه ضمن هذا التحرك، وتقديم التضحيات من خلال استشهاد أنصاره وأقرب الناس إليه، فليكن، ما دامت هذه الحركة قد تؤدي في المستقبل المنظور أو البعيد إلى تحريك الواقع، وهزّ كيان السلطة الحاكمة، وتقديم نموذج عملي على مشروعية الثورة.
وبهذا نستطيع أن نقبل ونصحِّح النصوص التي تحدث فيها الإمام (ع) عن تحركه من أجل الإصلاح في أمة جده، ومن أجل مواجهة الباطل الذي رسخته السلطة كأمر واقع، ومن أجل اجتثاث الفساد الذي نخر في جسد الأمة. وكذلك النصوص التي تحدّث فيها الإمام (ع) عن الإقبال على الموت والشهادة، وعلى اصطحاب من وطّن نفسه على ذلك، وأنه لا يرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً. وأيضاً النصوص الدالة على أن الإمام أراد الرجوع حين وجد أن الذين استدعوه للقدوم قد غيّروا موقفهم، وأن كثيراً ممن بايعوه قد نكثوا البيعة، وأن سفيره إلى الكوفة -مسلم بن عقيل- قد قُتل، وغير ذلك من الأحداث الأليمة التي جرت في الكوفة مع استحكام قبضة عبيدالله بن زياد فيها... وأنه لولا منع الحر الرياحي، ثم عبيدالله بن زياد، لرجع الإمام من حيث أتى.
وأعتقد أن ما جاء في وصيته (ع) أخيه محمد حيث قال له: (وإنِّي لم أخرج أشَراً ولا بَطَراً ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً، وإنَّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمَّة جَدِّي(ص) أريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهَى عنِ المنكر، وأسيرَ بِسيرَةِ جَدِّي، وأبي علي بن أبي طَالِب)... هذه الوصية ترسم معالم حركته، والهدف الأصيل والمحرك الكبير لخروجه، ولكنه في نفس الوقت كان يبحث ويخطط ويؤسس الأرضية التي من خلالها ينطلق لتحقيق هذه الغاية، فإن لم تتوفر تلك الأرضية، ولم تسمح الظروف بالاستمرار في الثورة إلى تحقيق الإصلاح المنشود، فإنه سيصبر، فلربما تتبدل الظروف، ولذا قال بعد ذلك: (فَمَنْ قَبلني بقبول الحق فالله أولى بالحقِّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصْبِرُ حتى يقضيَ اللهُ بيني وبين القوم، وهو خَيرُ الحاكِمين).. ولكنه (ع) لم يُمهَل، ووُضع بين خيارين، الاستسلام المذل، أو القتال غير المتكافئ.. فاختار الثاني، ولذا قال في موقف آخر: (ألا وإنّ الدعي بن الدعي قدْ ركز بين اثنتين، بين السلة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحُجور طابت وطهرت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان الناصر).

إلا أنّ في البين قراءة تحليلية أخرى لخروجه (ع) ثائراً، هذه القراءة تقتضي أنه خرج من الحجاز عازماً على تأسيس حُكم في العراق، يكون منطلقاً له لإسقاط الحكم الفاسد والطاغوتي الذي كان يمثّله يزيد وولاته، ولتحقيق الإصلاح في الأرض من خلال ذلك.
نعم، لو استدعى خروجه هذا أن يستشهد قبل تحقيق تلك الغاية، فأهلاً بالقتل في سبيل الله، ولو خُيِّر بين الحياة ذليلاً وبين الموت عزيزاً، فسيختار الموت لا محالة.
وهذا هو تأويل كلامه المروي في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية حين خرج من المدينة بعد أن طولب بالبيعة ليزيد، قال:
وقوله يوم عاشوراء: (لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد).
وقوله أيضاً في ذلك اليوم: (ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا حقا فاني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً).
وقوله أيضاً:
().
البعض لا يتقبّل مثل هذه القراءة، ويعتبرها متناقضة مع شخصيةٍ كالحسين(ع) لا تريد المُلك، بينما الكثير من الأدلة التاريخية والنصوص في المصادر (المُبكِرة) تساعد على تقبّل هذه القراءة، ولا ضير فيها، بل إنها تتناغم مع الصورة القرآنية التي قدمناها، لأنَّ خروج الإمام لم يكن طلباً للمُلك من أجل المُلك.
ولو كان خروجاً لغاية شخصية، لما أصرّ على المضي في طريقه مع قلة العدد، ولما وطّن نفسَه على المواجهة غير المتكافئة والقتل في سبيل الله، عندما بدأت الصورة تتضح له وهو في الطريق إلى الكوفة، بعد تأكّد خبر مقتل مسلم وهانيء وغيرهما على يد ابن زياد وجلاوزته وانقلاب الأوضاع في الكوفة لغير صالحه.
لقد أدرك الإمام حينها أنَّ احتمالات نجاحه في تحقيق ما خرج من أجله بدأت تضعف، لكنه لم يُحدِّث نفسه بالتخلي عن المسؤولية، بل مضى بحثاً عن طريقة بديلة يُحقِّق من خلالها الإصلاح في الأمة، ولو جزئياً، ولما اصطدم بالقوة العسكرية الأموية بقيادة الحرّ الرياحي وضع في البين قرار الرجوع إلى الحجاز لهذا الغرض، لا فراراً من المسئولية،
في تاريخ الطبري وغيره أنه: