ليالي عاشوراء 1446 - الليلة الثانية - الفساد الإداري والمالي


- قال تعالى: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة:60].
- وقال تعالى: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود:85].
مدخل
يمكن تصور الفساد في مجالات عديدة، الفساد الأخلاقي، الفساد الاقتصادي، الفساد السياسي، الفساد الفكري، وغير ذلك. وواحدة من صور الفساد التي تغلغلت في كيان الأمة الإسلامية على عهد الأمويين، وبقوة: الفساد الإداري.
بالطبع هذا لا يعني انتفاء هذه الصورة من صور الفساد قبل الحكم الأموي، حيث نجد في قسم الرسائل من نهج البلاغة عدة كتب للإمام علي (ع) موجّهة بعض ولاته ومسئولي الدولة يتهمهم فيها بالفساد الإداري، ويتخذ فيها إجراءات صارمة بحقهم، أو يصارحهم بوجود شبهة أو تهمة فساد إداري، ويطالبهم بدليل براءتهم منها.
ومن نماذج ذلك الرسالة الخامسة إلى الأشعث بن قيس عامل أذربيجان، والرسالة 20 و21 لزياد بن أبيه خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة، والرسالة 40، و41 إلى بعض عماله، و43 إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على أردشير خُرة (قسم من إقليم فارس في إيران)، و71 إلى المنذر بن الجارود العبدي وخان في بعض ما ولاه من أعماله...
ولكن ما جرى في العهد الأموي كان شيئاً مختلفاً من حيث الكيف والكم والغطاء (الشرعي والقانوني المصطنع) الذي أفاضته الخلافة الأموية على ذلك، والذي لخصته كلمة سعيد بن العاص الأموي حيث قال كما في الكامل في التاريخ لابن الأثير ومصادر أخرى: (إِنَّمَا هَذَا السَّوَادُ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ)... هذه هي العقلية الأموية التي أباحت لهم ولمن مالأهم من عمّالهم كي يُفسدوا في الأرض على المستوى الإداري، كما أفسدوا على مستويات أخرى مختلفة.
تعريف:
يمكن تعريف "الفساد الإداري" بأنه تجاوز حدود الاعتدال -أو الإطار العرفي والقانوني- في استغلال وتوظيف المرافق والموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية، أو شبه شخصية (قبلية – عائلية – حزبية...).
من الطبيعي أن يستغل الموظف المرافق والموارد العامة لتحقيق مكاسب شخصية، بأن يحصل على الراتب من خلال ذلك، وينمّي مواهبه في أثناء مزاولته للعمل، ويترقّى وظيفياً، ويكوّن علاقات شخصية، ويحصل على دورات تدريبية، ويحقق خبرات ميدانية، ولربما يحصل على بعثة دراسية، وغير ذلك من المكاسب الشخصية التي لا يلومه عليها أحد، ولا يتهمه فيها أحد بالفساد ما دامت في الإطار العرفي، ومتوافقة مع القوانين المقررة.
ولكن، عندما يتجاوز الحد العرفي والقانوني في استغلال وتوظيف هذه الإمكانات لتحقيق مصالح شخصية (أو شبه شخصية)، فإنه يُعتبر قد مارس فساداً إدارياً.
المستويات والدرجات:
يقع الفساد الإداري -في الغالب- على مستويين: المستوى الواسع والكبير، والمستوى الضيق والمحدود.
يرتبط الفساد على المستوى الواسع والكبير -في الغالب- بالنخب السياسية وكبار المسئولين في الدولة، وهو ما يُعبَّر عنه بفساد "ذوي الياقات البيضاء". في علم الجريمة عَرّف المتخصص بعلم الاجتماع إدوين سذرلاند المصطلح لأول مرة في عام 1939 بأنه: (جريمة يرتكبها فرد من ذوي الطبقات الاجتماعية العليا وله مكانة مرموقة في نطاق مهنته). وتشمل جرائم ذوي الياقات البيضاء: الاحتيال، والرشوة، والاختلاس، والجرائم الإلكترونية، وغسيل الأموال، وانتحال الشخصية، والتزييف، وغير ذلك.
في المقابل، هناك فساد "ذوي الياقات الزرقاء" الذي يشمل الفساد الإداري في مستواه الضيق والمحدود، ويتم من خلال الرشى والصفقات والمعاملات غير القانونية عبر الموظفين ذوي الرتب الدنيا، ومن خلال الاتصال المباشر مع العملاء.
تظهر الدراسات الميدانية أن الفساد الإداري في المستويين المتوسط والداني من النظام الإداري يعتمد إلى حد كبير على مستوى الفساد بين السياسيين والموظفين رفيعي المستوى. فعندما تكون بيئة كبار المسئولين فاسدة إدارياً، يكون الموظفون الأقل مرتبة ممن يرتكبون الفساد الإداري أقل قلقاً بشأن جرائم الفساد المحدودة التي يرتكبونها، بل غالباً ما يكون هناك نوع من التواطؤ بين المسؤولين رفيعي المستوى والمديرين ذوي المرتبة المتوسطة لتغاضي كل طرف عن تجاوزات الآخر.
نماذج قرآنية وحديثية للفساد الإداري:
تشير الآيات القرآنية والأحاديث الإسلامية إلى نماذج متعددة من الفساد الإداري، وهذه عناوينها:
أولاً، الرشوة بمفهومها العام
في المصطلح الفقهي التقليدي فإن الرشوة تخص مجال القضاء، ولكن في المصطلح القانوني الحديث، فإن الرشوة يمكن أن تشمل مجالات عديدة، ويمكن لكلمة الإمام علي (ع) التالية أن تشمل هذه الدائرة الشمولية لمفهوم الرشوة ومجالاتها: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ، وَأَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ) أو (فَافْتَدَوْهُ). يمكن تصوّر هذا الأمر في دائرة القضاء، حيث تتم رشوة القاضي من أجل أن يصدر حكماً لصالح صاحب الحق الذي يرى بأنه لا يستطيع أن يسترجع حقه إلا بهذه الرشوة، أو تم الحكم للخصم -ظلماً- واستأنف الحكم ليسترجع حقه بالرشوة.
كذلك يمكن تصور ذلك في المجال الإداري، حيث لا تتم معاملته الإدارية -أو تتأخر بشكل كبير يضرّ بمصالحه- أو تُرفَض، ما لم يرشِ المسئول.
ثانياً، الواسطة والمحسوبية
قد تنطلق هذه الصورة من صور الفساد الإداري من خلال الميل نحو الشخص بلحاظ الصداقة أو الانتماء الأسري أو القبلي أو الحزبي أو القومي وأمثال ذلك، وبذا تدخل كإفراز من إفرازات التعصب، وقد روي عن الإمام زين العابدين (ع) قوله: (الْعَصَبِيَّةُ الَّتِي يَأْثَمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أَنْ يَرَى الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ، وَلكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُعِينَ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ) ومن هذا الظلم تضييع حقوق الآخرين -إدارياً- لصالح من يُتعصَّب له.
مجموعة من الطلبة الجامعيين المتفوقين ينتظرون فرصتهم لنيل بعثة خارجية ضمن مقاعد محدودة، يُحرم منها بعضهم -مع استحقاقِهم- لأن طلبة آخرين قفزوا بالبراشوت من خلال المحسوبية... هذا ظلم ناشئ عن صورة من صور التعصب، للقبيلة، أو الطائفة، أو غير ذلك.
يمكن أن تنطلق الواسطة والمحسوبية من خلال الميل والانحياز الطبيعي الأقرباء والأصدقاء وسائر العناوين التي يشعر الفرد بالانتماء إليها. ومن هنا فإننا عندما نحاول أن نفهم ونطبق الحديث النبوي: (مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ)، فإن هذا لا ينحصر في مجالات من قبيل الصراعات المباشرة، والحروب، والتخاصم، بل يشمل مثل المحسوبية التي تسلب حقوق الآخرين أو تضيّعها.
وقد تنطلق من خلال تبادل المصالح.. أتوسط لك اليوم لتتوسط لي غداً. (حك ظهري أحك ظهرك).
في العديد من البلدان التي تفتقد إلى الحزم في تطبيق القانون وينتشر فيها الفساد على أنواعه، تعد الواسطة والمحسوبية إحدى الآليات السياسية الأساسية.
يقول الإمام علي (ع) لمالك الأشتر في وصيته له: (ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً... ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة).
ثالثاً، الغش:
عند الحديث عن (الغش)، فإن الذهن يتبادر -عادةً- إلى حالتين: الغش في التجارة، والغش في الاختبارات... ولكن الواقع أن مديات الغش أبعد من ذلك، ويمكن أن نجد للغش حضوراً ضمن مصاديق الفساد الإداري.
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: (الْغَيْنُ وَالشِّينُ أُصُولٌ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفٍ فِي الشَّيْءِ وَاسْتِعْجَالٍ فِيهِ. مِنْ ذَلِكَ الْغِشُّ. وَيَقُولُونَ: الْغِشُّ: أَلَّا تَمْحَضَ النَّصِيحَةُ. وَشُرْبٌ غِشَاشٌ: قَلِيلٌ. وَمَا نَامَ إِلَّا غِشَاشًا، أَيْ قَلِيلًا، وَلَقِيتُهُ غِشَاشًا، وَذَلِكَ عِنْدَ مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ) فعندما يغش التاجر في الشيء الذي يبيعه، فلأنه قدّم بضاعة غير متناسبة مع الثمن، أي أقل من الثمن، أي أن البضاعة كانت أضعف من المتوقع. وهكذا فإن الطالب عندما يغش فإنما يقدّم من نفسه مستوىً هزيلاً، ومع هذا ينال درجة مرتفعة من خلال طرق غير قانونية، فما قدمه ضعيف المستوى، وما حصل عليه يفوق ذلك.
من هنا، يمكن أن نفهم كيف يمكن أن يقع الغش في العمل الإداري، فعندما يقدم الموظف أداء منخفضاً، ولكنه ينال الامتياز، ولربما يحصل على ترقية، بسبب أنه من نفس قبيلة المسئول، أو من نفس مذهبه، أو من حزبه، أو غير ذلك، فهذا من الغش.
ولذا، فإنه عندما يتحدث النبي (ص) -بحسب المروي عنه- عن أنه: (مَنْ غَشَّ مُسْلِماً فِي شِرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ فَلَيْسَ مِنَّا، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْيَهُودِ)، أو (مَنْ غَشَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ بَرَكَةَ رِزْقِهِ، وَأَفْسَدَ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ، وَوَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ)، فإننا يمكن أن نوسع دائرة ذلك بما يشمل الغش الإداري الذي قد يلحق الضرر بمراتب أعلى من الغش في معاملة تجارية قد ينقضي أثرها في أيام.
بل يمكن أن يدخل تحت عنوان التطفيف بدلالته الواسعة، فإذا كانت آية التطفيف تخص التجارة حيث يقول تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) فإننا يمكن أن نستوحي من ذلك مفهوماً أشمل لا يتوقف عند حد التجارة، ففي السياسة تطفيف، وفي التعليم تطفيف، بل حتى في التبليغ الديني تطفيف، وذلك حين يكون أداء المبلغ متناسباً مع مقدار المال الذي يقدم له.. إذ ارتفع المبلغ، رفع أداءه، وإن نقص، أنقص أداءه.
وفي الإدارة تطفيف... فعندما يأتي التقييم، يطالب الموظف بالامتياز معتبراً أن أي درجة أقل منذ ذلك تكون أقل من حقه، ولكن عندما يأتيه المراجع، فإنه لا يبذل كل جهده وبالمستوى المطلوب لإنجاز معاملته.. ويؤخره.. هذا تطفيف.
يقول الإمام علي (ع) لمالك الأشتر في وصيته له: (ولا يكون المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان) وهذا ما نلاحظه عند مجموعة من شبابنا عند التخطيط لمستقبلهم الدراسي، حيث تقل الدافعية عندهم لأنهم يتصورون سلفاً أن المناصب القيادية لا تعطى بحيادية وبطريقة منصفة، أو يتوجهون إلى اختيار تخصصات فقط لتعويض هذا الجانب، أحد الخريجين يقول سأسافر لدراسة الصيدلة، وسآخذ الشهادة بأقل تقدير، لأن هدفي هو الحصول على رخصة صيدلية، وأؤجرها وأعتاش من ورائها! (وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة) نقل خبرات الفساد... وتجرئة من لديه الاستعداد للفساد على الفساد.. وهو مثل المرض المعدي (وألزِم كلاً منهم ما ألزم نفسه) تقديراته تكون بحسب أدائه.
رابعاً، الاختلاس
المعنى واضح، والأمثلة كثيرة، وكل مدة تُبث أخبار عن اختلاسات تصل إلى مئات الملايين... البعض يبيحها لنفسه من جهة أن الكل يختلس، فلماذا أحرم نفسي من ذلك.. والبعض يعتبر أنه إنما يسترد شيئاً من حقه المسلوب منه، على اعتبار أنه يملك حصة من النفط الذي تبيعه الدولة، وهذه الحصة لا يحصل منها لنفسه إلا على القليل... والبعض يعتبر أن هذا المال مجهول المالك، فهو بلحاظ كونه (مؤمناً) أولى من غيره به... النتيجة واحدة وهي الاعتداء على المال العام، و -قانونياً- الاختلاس من موارد الفساد المالي.
في الكتاب (41) من نهج البلاغة (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله): (أَيُّهَا الْمَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً وَتَشْرَبُ حَرَاماً وَتَبْتَاعُ الْإِمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَأَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلَادَ فَاتَّقِ اللَّهَ وَارْدُدْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللَّهِ فِيكَ وَلَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلَّا دَخَلَ النَّارَ وَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ وَلَا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا).
خامساً: النصب والاحتيال
في الوهلة الأولى قد يبدو من الغريب أن يكون هذا العنوان من موارد الفساد الإداري والمالي، ولكن يمكن تصور ذلك من خلال المثال التالي: النصب الاحتيال هو التلاعب في المعلومات والحقائق وتشويهها وممارسة الخداع والكذب من أجل تحقيق منافع شخصية على حساب الآخرين ومن دون وجه حق.
من هنا، إذا افترضنا أن الموظف المسئول تلاعب في المعلومات والمعطيات والأرقام، أو انتحل شخصية إدارية، وحقّق لنفسه من خلال ذلك منافع مالية على حساب المراجعين أو الأموال العامة، فإن هذا نصب واحتيال، وصورة من صور الفساد الإداري. مثل بعض الشبكات التي يتم الكشف عنها في بيع الطوابع المالية للمعاملات الحكومية مثلاً.
مثل هذا مشمول في آية أكل المال بالباطل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء:29]، وما عن النبي (ص) أنه قال: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل).
سادساً، الابتزاز:
وهو الحصول على المال أو المنفعة الشخصية عن طريق الإكراه، أو العنف، أو التهديد باستخدام السلطة.
عندما تكون القوى غير الحكومية قادرة على التأثير على أعضاء الحكومة والمؤسسات الحكومية من خلال التهديد والترهيب من أجل الحصول على امتيازات وظيفية، أو التهرّب الضريبي، أو التخلص من العقوبات القضائية، فهذا ابتزاز، والخضوع له من صور الفساد الإداري، والابتزاز المالي صورة من صور أكل المال بالباطل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء:29].
وهو مشمول في مثل ما رُوي عن رسول الله [ص] في منى حين قضى مناسكه في حجة الوداع فقال: (... فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم).
عوامل الوقاية وردع الفساد الإداري والمالي
من أهم وسائل الوقاية والعلاج المراقبة والمحاسبة الدقيقة والعادلة.. يقول الإمام علي (ع) لمالك الأشتر في وصيته له: (ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية).
وأي تراخي في هذا يؤدي إلى استفحال الداء.. وإن كان المعنيّ بذلك من أقرب الناس -إدارياً- إلى المسئول: (وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة).
ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله برقم [40] في نهج البلاغة: (أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ وَالسَّلَامُ).
الفساد الإداري والمالي في الدولة الأموية
يقول محمد مصطفى محمد بسيوني في رسالة الماجستير المعنونة (الفساد الإدارى والمالي فى الدولة الأموية) المقدمة لجامعة القاهرة قسم التاريخ: (نجد في العصر الأموي قد ظهرت حالات عديدة من تجاوزات موظفي الدولة، سواء كانوا ولاة جباية أو سعاة، وقد أظهرت الكتب الأدبية الكثير من ظلم الولاة والسعاة الذين استغلوا وظائفهم لبناء ثرواتهم، واختلاس الأموال... وقد كان موقف الدولة متبايناً في تعاملها مع تجاوزات هؤلاء الموظفين...).
يروي صاحب العقد الفريد: (قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية قط إلا في أمر واحد؛ طلبت إليه رجلًا من عُمالي كسر عليَّ الخراج، فلجأ إليه، فكتبت إليه: «إن هذا فساد عملي وعملك»، فكتب إلي: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة: لا نلين جميعًا فيمرح الناس في المعصية، ولا نشتد فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة).
في أنساب الأشراف للبلاذري حول عبدالرحمن بن زياد بن أبيه: (ولاه معاوية خراسان فأصاب مالاً فقال: أعيش مائة سنة، وأنفق كل يوم ألف درهم، ثم قدم البصرة فأتلف ذلك المال قبل موته.. وكانت عنده فاختة بنت عتبة بن أبي سفيان).
وظهرت الجدية والشدة في مواجهة ذلك عندما وجدت الدولة الأموية أنها متضررة بشكل كبيرة من تكرار وكثرة هذه الصور من الفساد الإداري، فأنشأت (دار الاستخراج) تنحصر مهمتها في تعذيب العمال المتورطين في عمليات الاختلاس، لاسترجاع الأموال المختلسة، كما شملت من يثور ضد الدولة الأموية بنفس الاتهامات لمصادرة أموالهم لصالح خزينة الدولة ولإضعاف قواهم!
في تاريخ الطبري أنه لما مات يزيد، كان في بيوت مال البصرة 16 مليون درهم، ففرق عبيدالله بن زياد طائفة منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه!
في الكامل في اللغة والأدب للمبرد (أن معاوية ولى كثير بن شهاب المذحجي خراسان فاختان مالاً كثيراً ثم هرب، فاستتر عند أحد سادة مذحج بالكوفة، فلما سأل عنه معاوية قال: عندي، في عسكرك يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: انظر إلى ما اختانه، فخذ منه بعضاً، وسوّغه بعضاً).
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: (عن ابن عباس رضي الله عنه: أن علياً عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة، فقال: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شئ، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق).
ذاك منهج وهذا منهج... وحيث أن الحسين (ع) على منهج أبيه، فقد كان خروجه تحت شعار الإصلاح في أمة جده يشمل مواجهة كل صور الفساد، بما في ذلك الفساد الإداري والمالي الذي تفشّى على عهد الأمويين بسبب سياساتهم التمييزية، واعتمادهم الحزم في مواجهة التعدّي على بيت مال المسلمين بانتقائية، لا على وجه المساواة بين المسئولين، علاوة على اختيار مسئولين في المناصب المختلفة وفقاً لمصالحهم لا للمصلحة العامة، فكانت النتيجة في فترات لاحقة أن عانوا هم بأنفسهم من هذا الفساد واضطر بعض خلفائهم إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد الفاسدين، ولكنها لم تتعد أن تكون جراحات تجميلية لا تعالج المشكلة من جذورها، أو جراحات استئصالية جاءت متأخرة بعد استفحال المرض الوبيل. وكانت نتجية المواجهة بين الفساد الأموي والإصلاح الحسيني أن هوى الحسين (ع) على أرض كربلاء قتيلاً في سبيل الله، وطار شعاره في الآفاق عبر الأزمان، تردّده الألسن، وتنظمه القصائد