ليالي عاشوراء 1446 - الليلة الأولى - تضارب المصالح


كلمة المصلحة مشتقة من (صَلَحَ)، ولذا فمن المفترض عندما يكون هناك حديث عن المصلحة أن يكون في البين خير ومنفعة ومردود إيجابي، ولذا من المنطقي -في الوهلة الأولى- أن نكون مع المصلحة، ونوافق على القرارات والإجراءات التي جاءت من خلال ما تتطلبه المصلحة..
ولكن – بقليل من التدبر- يظهر أن الأمر ليس كذلك دائماً، كما أنه ليس بهذه البساطة، بل اعتُبر أن موضوع علاقة المصلحة بالفقه السياسي من أعقد الأسئلة، وأن الفقه السياسي الإسلامي إلى اليوم ما زال بحاجة إلى تنضيج الموضوع بشكل كبير، وأن ما تم تقديمه في هذا الإطار لم يقدِّم جواباً حاسماً لسؤال: ما علاقة المصلحة بالسياسة في المنظور الإسلامي؟ وما هي حدود ذلك؟ وما هي ضوابطه؟ ومن هو صاحب القرار؟ وعن أية مصلحة نتحدث على وجه التحديد؟
1. المصلحة الفردية كما تذهب إلى ذلك الليبرالية؟
2. مصلحة الحكومة والدولة والنظام الإسلامي؟
3. مصلحة الحركة السياسية الإسلامية (أحزاب، تنظيمات...) في حال عدم وجود دولة؟
4. مصلحة الإسلام والشريعة في حياة البشر؟
5. مصلحة الوطن؟
6. المصلحة العامة؟
وتبرز المشكلة بشكل أوضح عندما يقع التعارض أو التزاحم بين هذه المصالح أو بعضها.
مثال: لو استدعت المصلحة الدينية نقض المصلحة الفردية، أو المصلحة العامة، كأن يصدر قرار بسلب بعض الحريات، أو مصادرة بعض الممتلكات، لتأمين مصالح دينية عليا.. فماذا نقدِّم وفق المنظور الإسلامي للسياسة؟
لو استدعت مصلحة النظام الإسلامي والدولة أن يتم السكوت عن بعض الجرائم التي يرتكبها أفراد مقرّبون منه، أو جزء من نسيجه، لأن فضحهم ومعاقبتهم يؤدي إلى زعزعة الأمن العام، ويصب لصالح المتربصين بالنظام ممن يعملون على انهياره.. فماذا نقدم وفق المنظور الإسلامي للسياسة؟
لو رأت حركة (إسلامية) أن مصلحتها تستدعي أن تتجاوز قوانين الدولة القائمة وتلجأ إلى الأساليب الملتوية وغير القانونية، بالرشوة أو المحسوبية أو التزوير من أجل تقوية دعائمها، وتحقيق نفوذ ٍقوي ومؤثر لها في السلطة.. فهل هذا مشروع؟ وماذا نقدم؟ المصلحة الحزبية أم مصلحة الدولة والمصلحة العامة؟
قد تكون بعض الصور والأمثلة سهلة، ولكن بعضها -حتماً- من الحالات المعقدة، بل إن السهلة قد تصبح معقدة نتيجة تراكم الحالات وتكاثرها وتشابكها مع مصالح أخرى.
كما أن بعض العناوين السابقة يمكن أن توظَّف لغير مدلولاتها... فعندما يقال: يأتي هذا الإجراء مراعاةً للمصلحة العامة... المفهوم من المصلحة العامة هو مصلحة الناس في مجتمع ما، ولكن قد يكون مراد صاحب هذه المقولة مصلحة النظام والسلطة.
وقد يكون الكلام عن المصلحة بمعنى اتخاذ قرار يخالف الحكم الشرعي الأصلي، أو القانون، أو القيمة الأخلاقية المبدئية من قبيل العدل، والمساواة، وإحقاق الحقوق، والإنصاف.. فمصلحة الدولة أو النظام أو الإسلام أو المجتمع أو الحزب أن نتجاوز ذلك التشريع أو القانون أو المبدأ ونغض الطرف مؤقتاً.. فهل هذا مقبول دائماً أو بشكل جزئي أو ممنوع دائماً؟
مثلاً، يتساءل كثيرون: أما كان من مصلحة الإسلام والمصلحة العامة للمسلمين أن يسكت الإمام علي (ع) -أو يؤجِّل على أقل تقدير- ملفات الفساد الإداري والمالي، وأن يداهن معاوية مثلاً ويبقيه على حكم الشام، وأن يوزّع العطايا على سادة القبائل وكبار الشخصيات والمؤثرين في المجتمع الإسلامي الكبير (تأليفاً لقلوبهم) كما فعل النبي (ص) بعد حنين حين أعطى المؤلفة قلوبهم من الأخماس، زيادة على حصتهم من الغنائم، بدلاً من أن يعرّض الإمام علي (ع) الإمة للانشقاق، ويخوض من خلال قراراته ثلاثة حروب في غضون سنوات قلائل، راح ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين، وكان مآل ذلك أن صار الحكم بيد الأمويين؟
ما الداعي لأن يخطب علي (ع) في ثاني يوم من بيعته بالمدينة، كما روى ابن عباس ويقول: (ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحق القديم لا يُبطله شيء، ولو وجدته وقد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددتُه إلى حاله)؟
بل لماذا لم يلجأ الإمام الحسين (ع) إلى قبول ما عُرض عليه في كربلاء بدلاً من أن يُقتَل، ويُقتَل مَن معه، وتُسبى النساء الحرائر، وتنشق ساحة المسلمين من جديد، ويدخل المسلمون في ثورات وصراعات وحروب (أهلية) على حساب الأمن والاستقرار وما يستتبع ذلك من نمو حضاري؟ ألم تكن المصلحة في أن يداهن الإمام السلطةَ الأموية، ويدخل معها في تفاهمات معيّنة؟
إذاً المسألة أعقد مما نظن بكثير، وفي العصر الراهن لا نملك إجابات دقيقة وتفصيلية على كل الأسئلة، لابد من وجود اجتهادات في بعض هذه النقاط، ولكن هذا شيء ونضوج المسألة شيء آخر. كما لا أملك فرصة كافية لطرح كل الإشكالات السابقة محل بحث ونقاش، ولذا ستكون هذه مجرد إطلالة ومحاولة عصف ذهني، مع بعض التوضيحات.
س: ما الفارق بين مفهوم المصلحة وفق المنظور الوضعي المعاصر والمنظور الإسلامي؟
مفهوم المصلحة وفق المنظور الوضعي المعاصر:
1. دنيوية بحتة، لا علاقة لها بالبعد الأخروي أو الديني. فلو ارتأت الجهات الاقتصادية ذات الاختصاص أن من المصلحة اعتماد الربا كمصدر للدخل، أو إباحة الإجهاض بكل صوره، فإن تحريم الربا والإجهاض شرعاً لا دخل له في تصور المصلحة والمفسدة هنا.
2. لو تواضع الناس على أمرٍ ما بأن المصلحة فيه، بينما اعتبر الدين أنه مفسدة حقيقية، فإن كفة الأول ترجح. مثال ذلك شرعنة الشذوذ الجنسي، أو الانتحار، أو المتاجرة بالخمور.
مفهوم المصلحة وفق المنظور الإسلامي:
1. دنيوية وأخروية، ترتبط بالجسد والبعد المادي للإنسان، وكذلك بالروح والبعد المعنوي منه، ولذا فإن مصلحة الدين تكون منظورة هنا بشكل أساسي وكبير.
2. لو تواضع الناس على أمرٍ ما بأن المصلحة فيه، بينما اعتبر الدين أنه مفسدة حقيقية، فإن كفة الثاني ترجح.
س: من هو المسئول -أو ما الجهة المسئولة- عن تشخيص ماهية المصلحة الفعلية في إدارة سياسة الدولة في الفقه السياسي؟
في البين عدة آراء:
1. ولي الأمر، وعليه أن يستشير، ولكنه غير ملزم برأي المشيرين.
2. ولي الأمر، وعليه أن يستشير، وهو ملزم برأي المشيرين.
3. جهة مؤسسية، تشارك فيها مجموعة من المؤسسات القانونية والعلمية والثقافية وغيرها، بالإضافة إلى السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والحاكم، ولربما تم اللجوء إلى الرأي العام أيضاً بشكل مباشر، فإن تحولات مفهوم الدولة والحكم وفق المنظور المعاصر يستدعي الخروج من الصورة القديمة النمطية للحكم.
وقد عملت بعض الأحزاب الإسلامية على أن تحدد لنفسها الشخص (الولي) أو الجهة (اللجنة) التي من شأنها أن تشخص المصلحة في قراراتها.
س: ما موقف الفقه السياسي من قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة)؟
الشعار الذي رفعه مكيافيلي في القرن السادس عشر ضمن كتابه (الأمير) يأتي في ضمن التزاحم الواقع بين (مصلحة الحاكم) و(القيم والمبادئ الأخلاقية).. فشعار (الغاية تبرر الوسيلة) يوجب على الحاكم أن يعطي الأولوية للحفاظ على سلطته وتوسيعها، حتى لو كان ذلك يتطلب إجراءات لا أخلاقية.
هذا مثال من الإشكاليات المطروحة أمام السياسة الشرعية... فهل قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) مقبولة ومشروعة أصلاً، بغض النظر عن كوننا نتحدث عن مصلحة الحاكم أو أية مصلحة أخرى؟
لربما أمكننا أن نتوصل إلى الإجابة الإجمالية من خلال بعض الأمثلة:
1. عندما يتم إلقاء القبض على جاسوس مخرب، يقع التزاحم بين حرمة التعذيب، وبين المصلحة العامة التي تقتضي استنطاقة بالعنف لكشف الأسرار والمخططات التخريبية... ألا يفتي بعض الفقهاء بجواز ذلك، ليدخل الأمر تحت قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة)؟
2. أليس السماح بالكذب من أجل الإصلاح بين شخصين، مقبول بل وممدوح شرعاً؟ ولو ترقينا إلى الكذب لمصلحة النظام الإسلامي لدفع الضرر عنه، ألا يخرج هذا -لربما- من دائرة الحرام إلى دائرة الوجوب؟ في حين أن كل هذا يندرج تحت شعار (الغاية تبرر الوسيلة)؟
3. أليست التقية -الفردية والعامة- بأن يحافظ الإنسان -أو الكيان- على نفسه من الأذى (الغاية) من خلال التظاهر بخلاف الواقع (وسيلة) هو في نهاية المطاف من باب (الغاية تبرر الوسيلة)؟
لذا نستطيع القول أن هذه القاعدة ليست ممنوعة، ولكنها أيضاً ليست مسموحة بالمطلق، بل لابد أن تكون في البين ضوابط وحدود، ومن بينها مثلاً الأخذ بعين الاعتبار القواعد الخاصة بالتقية، فهناك حالات لا تجوز فيها التقية، كقتل النفس المحترمة، وأن لا يستدعي ذلك تمييع المبادئ وتضييع صورة الحق... إلخ.
س: هل يوافق الإسلام على البراغماتية النفعية وفقاً للمصالح القائمة، أم يعتبر أن المبدئية خياره الوحيد، أم أن له رؤية خاصة حول مديات توظيف المصلحية وضوابطها؟
جانب من الإجابة اتضح من خلال النقطة السابقة، ولكن لابد من وقفة أوسع مدى مع هذا التساؤل.
(البراغماتية) أو (المذهب العملي) أو (العملانية) من المصطلحات التي شاع استعمالها في عالم السياسة، وهو مذهب فلسفي سياسي ظهر في الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر.
البراغماتية تَعتبر أن نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة والقيمة.. وبالتالي فالصالح اليوم قد يصبح غير صالح في الغد، إذ لا توجد قيم وحقائق ثابتة.. الاهتمام يجب أن يكون منصباً على النتيجة، ولا تهمنا المقدمات.
قد تبدو هذه الفلسفة جميلة من ناحية، وقبيحة من ناحية أخرى.. هي جميلة على اعتبار أن الإنسان يطمح إلى النجاح في مشاريعه.. وقبيحة على اعتبار أنها لا تعترف بقيم وحقائق وثوابت ومبادئ.. لا تعترف بخير وشر.. المهم النتيجة.. وهي بهذا اللحاظ تقترب من الميكافيلية المتمثلة في كون الغاية تبرر الوسيلة.
ولكن يبدو أن كثيراً ممن يستعملون هذا المصطلح لا يلاحظون هذا البعد القبيح في مضمونه، بل يركزون على مسألة المرونة في التعاطي مع المشكلة وتحقيق النتائج والنجاح المرتكز على ذلك، وسنجاريهم في ذلك.
قال البعض ببراغماتية رسول الله (ص)، وفق المعنى الشائع للمصطلح، وبافتقاد الإمام علي (ع) لهذه الصفة، واستشهدوا على ذلك بأمور ومواقف، من بينها ما جرى بعد غزوة حنين، حيث أعطى المؤلفة قلوبهم نصيباً إضافياً ـ وذلك من حصة الخمس ـ فمثلاً عندما نال أبوسفيان مائة بعير وأربعين أوقية فضة، قال للنبي(ص): (حظ ابني يزيد!) فأعطاه أيضاً مائة من الإبل وأربعين أوقية، فقال: (فأين حظ ابني معاوية؟) فأمر له بمائة من الإبل وأربعين أوقية، حتى أخذ أبو سفيان يومئذ ثلاثمائة من الإبل ومائة وعشرين أوقية من الفضّة. فقال عند ذلك: (بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، لأنتَ كريمٌ في الحرب والسِّلم. هذا غايةُ الكرمِ، جزاك اللّه خيراً).
قالوا: هذه البراغماتية عند النبي (ص) هي التي جعلته ينجح في استمالة الناس من حوله، وبذا أمِن شرَّهم، ووطّد أركان دولته.. وفي المقابل، افتقد الإمام علي (ع) هذه الميزة، واستشهدوا بشواهد من بينها:
الشاهد الأول: (أنه ولّى طلحة اليمن والزبير اليمامة والبحرين، فلما دفع إليهما عهديهما، قالا له: وصلَتْك رحم. قال: وإنما وصلتكما بولاية أمور المسلمين) أي لم ألحظ القرابة في تعييني لكما (واستردّ العهدين منهما، فعتبا من ذلك، وقالا: آثَرْتَ علينا. فقال: ولولا ما ظهر من حرصكما فقد كان لي فيكما رأي).
الشاهد الثاني: قيل له: (اعطِ هذا المال، وفضِّل الأشراف ومَن تخافُ خلافَه وفراقَه، حتى إذا استتب لك ما تريد، عُدتَ إلى أحسنِ ما كنتَ عليه من العدل في الرعية والقِسَمِ بالسويَّة)، فرفض الاقتراح وردَّه رداً عنيفاً وقال: (أتأمروني أنْ أطلب النصرَ بالجور فيمن وُلّيت عليه من أهل الاسلام؟ والله لا أطُورُ به ما سمَر به سمير، وما أم نجمٌ في السماء نجماً) أي لا أقاربه أبداً (ولو كان مالُهم مالي لسوَّيْتُ بينهم، فكيف وإنما هي أموالُهم؟ ثم أزَم طويلاً ساكتاً) وكأنه أمسك غيظه ألا يكونوا قد أدركوا إلى الآن مبادئ الإسلام ومَن هو علي.
والقول السابق قد يبدو قوياً من خلال المقارنة بين الشواهد، إلا أننا نسجل عليه عدة ملاحظات:
1ـ نحن ننزه النبي(ص) كما ننزه الإمام(ع) عن البراغماتية بمفهومها الفلسفي الذي عرضناه، لأن المباديء والقيم والحقائق لم تكن نسبية عندهما، ولا تدور مدار النتائج، بل كانت ثابتة راسخة، وقد قال تعالى في شأن النبي (ص): (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم:9].
2ـ ما صدر عن النبي (ص) في زيادة المؤلفة قلوبهم ما كان تجاوزاً على مبدأ العدالة، بل كان استعمالاً لصلاحياته كحاكم ارتأى أن من المصلحة وفق الظروف القائمة أن يستعمل خُمس الغنيمة ـ التي يعود أمر التصرف فيها إليه بحسب آية الخمس ـ في استمالة هؤلاء، دون أن يؤدّي ذلك إلى خلق حالة فساد إداري، أو تشجيع على فساد مالي.
3ـ امتناع الإمام عن تعيين طلحة والزبير كان متناغماً مع سنة النبي(ص)، وقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: (دخلتُ على النبي (ص) أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين: أمِّرنا يا رسول الله. وقال الآخر مثله، فقال: إنّا لا نولّي هذا مَن سأله، ولا مَن حرَص عليه).
4ـ لابد أن نقرأ تصرّف الإمام علي ضمن ظرفه التاريخي، فما كان ممكناً أن يستعمل الإمام بعض الموارد كخمس الغنائم مثلاً في استمالة المنحرفين عنه، إذ جاء الإمام إلى الحكم بعد أسبوع من ثورةٍ قامت على الفساد الإداري والمالي الذي ضجّ منه الناس وذاقوا منه الأمرّين، وأدى في النهاية إلى قتل الخليفة السابق.
فكيف يمكن للإمام (ع) أن يتصرّف بالخمس مثلاً ويفضِّل البعض، أو يعيِّن بعضَ أقربائه كالزبير، لا من باب الاستحقاق بل بلحاظ القرابة، وبما يمكن أن يُفسَّر على أنه استمرار للفساد السابق؟
لقد كان من المهم بالنسبة إلى الإمام علي(ع) في ذلك الظرف الحرج المليء بصور الانحراف عن مبادئ الإسلام في شؤون السياسة والحكم والإدارة والتقاضي وتوزيع الثروة، أن يركّز على المباديء والقيم والعناوين الأولية للأحكام، وأن يتجنّب أي تصرف يمكن أن يُفسَّر خلاف ذلك، لأنه حينها سيكون قد وجّه ضربة قاصمة لمشروعه القِيَمي التقويمي، وهو القائل: (ولقد أصبحنا في زمان قد اتَّخذ أكثرُ أهلِه الغدرَ كَيْساً، ونَسبَهم أهلُ الجهل فيه إلى حُسن الحيلة. ما لَهم قاتلهم الله؟ قد يرى الحُوَّلُ القُلَّب وجهَ الحيلة، ودونَها مانعٌ مِن أمر الله ونهيه، فيدعُها رأيَ عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتَها مَن لا حريجة له في الدين).
5. لقد كان المطلوب من الإمام علي (ع) -من واقع مسؤوليته كإمامٍ وحاكمٍ على المسلمين- أن يعيد إلى تلك القيم والمباديء رونقَها وبريقَها، وأن يعيد ثقة الناس بحكم الإسلام، وأن يرسم معالم الطريق للحاكم المسلم الذي يريد أن يتعامل مع مثل هذا الظرف، وذلك حين ينخر الفساد في مفاصل الدولة، وتضج الجماهير من آثاره المدمّرة، فما قيمة أن يبقى الحاكمُ حاكماً فوق تلَّةٍ من فساد؟
6. ثمة أمر آخر، وهو أن تمكّن عنوان (المصلحة) وتغييب عنوان (المبدأ) في الممارسة السياسة والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والقضائية والعلمية والثقافية وغيرها سيؤدّي تدريجياً إلى نفس ما تدعو إليه النفعية البراغماتية، حيث يصبح كل شيء مباحاً وممكناً ومقبولاً ومشروعاً بل ولربما واجباً، إلى أن تغيب معالم الأسس والقيم والمبادئ، كالعدالة والمساواة والحقوق، ويصبح الفساد متمكناً ومشرعَناً وفي أوسع مدياته، وتضيع حقوق الناس، وكل مفردة فساد تجر معها مفردة فساد جديدة، إلى أن تختفي المعالم الأصيلة للسياسة الشرعية في زحمة المصالح والأحكام الاستثنائية.
وقد أعجبتني كلمة لأحد الباحثين في هذا المجال: (لقد قلت يوماً الجملة التالية: «يوماً ما لم أفهم بعقلي البراغماتي تصرّفات بعض الشخصيات الكبرى كالإمامين علي والحسين عليهما السلام، لكن عندما عايشت تجارب الانحراف الأخلاقي المجتمعي الذي يقع داخل الوسط الديني بحجّة المصلحة والضرورات، أدركت أنّ بعض الخطوات المنتفِضة على الواقع والمتصادمة معه لا تحتاج لأن تكسب نتائجها المصلحيّة، بقدر ما يكفيها أن تهزّ الوجدان، وتخلق شعوراً بعدم الرضا عن الأنا الفردية والاجتماعية. يجب أن لا يبقى الانحراف متنعّماً بسكينة باطنية ومتحرّراً من عذاب الضمير، هذه خطوة مهمّة للتغيير المستقبلي، حتى لو لم يقع التغيير أساساً في لحظتك).
لقد عاب كثيرون ضعف السياسة عند الإمام علي وعند الإمام الحسين عليهما السلام، لكن الثبات على المبدأ ولو بطريقة حادّة ضروري عندما تهيمن الثقافة المصلحية، أو عندما يصبح الفساد متجذراً ومشرعناً، فهذا الثبات على المبادئ يعمل على منع تقديمها قرابين على مذبحة المصلحة، بما في ذلك المصلحة التي ترتدي ثوب الدين.
إن حركة علي والحسين عليهما السلام شكلت الصدمة للواقع كي لا تختفي معالم الحق التي كانت تذوب وتختفي لأسباب عديدة، ولكي تنتعش المبادئ من جديد، وهو ما عبّر عنه الإمام علي (ع) كما في الخطبة 131 من نهج البلاغة حيث يقول: (أيتها النفوس المختلفة والقلوب المتشتتة. الشاهدة أبدانهم، والغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق) أعطفكم على الحق (وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد، هيهات أن أطلع بكم سرار العدل) من البعيد أن أغير الواقع عن طريقكم، بأن أخرج العدل من ظلام الباطل (أو أقيم اعوجاج الحق. اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك. فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك).