خطبة الجمعة 22 ذوالحجة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: جيل رقائق الثلج

- عندما تذهب إلى البلاد التي ينزل فيها الثلج، وتمد يدك لتلتقط ما ينزل من السماء، ستجدها رقائق هشّة سرعان ما تذوب أو تتفتت في يدك.
- جيل رقائق الثلج (Snowflake Generation) مصطلح حديث في عِلم الاجتماع يُستخدَم لوَصف جيلِ الألفية الثالثة، أي مَن وُلدوا في ثمانينات وقسم من تسعينات القرن الماضي، فأصبحوا بالغين بعد سنة 2000م، والمسألة تدور حول محور الهشاشة النفسية لدى هذا الجيل، كهشاشة رقائق الثلج.
- تم تأليف كتب عديدة حول هذا الموضوع الاجتماعي النفسي التربوي، بما يدلّ على جدّية الموضوع وأهميته وحساسيته، لاسيما وأن من طبيعة هذه الحياة أنها مليئة بالتحديات
والمصاعب والتقلبات:
- (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس:24].
- وبالتالي فإنّ الاتصاف بالصلابة النفسية، والقدرة على تحمّل متغيرات الظروف، والابتكار في إيجاد الحلول، والاعتماد على النفس، كلها أمور ضرورية للتعامل مع ذلك.
- وأرجو أن ننتبه إلى أنه لا يُراد تعميم هذا الوصف على كلِّ أفراد هذا الجيل، ولا كل الصفات التالية على كل فرد منه، ولكن هو وصف إجمالي له استثناءاتُه، كما أنها تنطبق بشكل أكبر على أبناء المجتمعات المرفهة والمتوسطة، أما الفقيرة، فقد تكون مستثناة.
- أُطلق هذا المصطلح على أبناء هذا الجيل بلحاظ أنه عند مقارنتهم بأقرانهم من الأجيال التي سبقتهم وُجدوا أنهم:
1) يَتّصفون بالهشاشة النفسية، فلا يستطيعون تحمّل الضغوطات العالية.
2) حساسون للغاية.
3) يجيدون لَعِب دور الضحية.
4) معانِدون متصلّبون في آرائهم، ولذا فهم أقلّ مرونة في التعامل مع المسائل المختلفة.
5) يُستَفزّون بسهولة. فإذا شعروا بأنّ آراءهم أو أفكارهم يجب أن تؤخذ بشكل أكثر جدية، فإنهم قد يُبدون ردود فعل عدوانية بشكل ملحوظ.
6) أكثر تطلباً للحصول على ما يريدون، ويعود ذلك إلى أنهم نشأوا -من خلال الحاسوب والإنترنت- على إمكانية الوصول الفوري إلى المعلومات أياً كانت... ولذا فإنهم يرون أن تعاملهم مع الواقع الخارجي يجب أن يتم بنفس السياق والسرعة.
7) أشدّ عُزلةً من الناحية الاجتماعية، وأكثر انفصالاً عن العالم الحقيقي، ويعود ذلك إلى نفس العامل السابق. ففي حين أن الأجيال السابقة كانت تتواصل اجتماعياً وتتفاعل مع أقرانها من خلال الأنشطة البدنية أو المحادثات المباشرة، فإنّ جيلَ رقائق الثلج أشدُّ التصاقاً بالهواتف الجوالة، والأجهزة اللوحية، والحواسيب، وإن كانوا في محيط اجتماعي.
8) يشعر كلُّ فرد منهم بالتفرّد تماماً، وأنه مختلف عن أقرانه ومتميّز عليهم، ولذا فهو يستحق اهتماماً خاصاً واحتفاءً أكبر بذاته.
9) يرفضون أن يكبروا ويَدخلوا مرحلة الرشد، وهو ما بات يُصطَلح عليه عنوان Peter Pan syndrome (متلازمة بيتر بان)، والمتعلقة بشخصية طفل لا يكبر أبداً.
- ولذا فإنهم يرفضون، أو لا يستطيعون، أو لا يعرفون، كيف يتحمّلون مسئوليات مرحلة الرُّشد هذه، ويبقى أحدُهم يتعامل كالطفل تجاه متطلبات الحياة: دائم الحاجة إلى الرعاية، معتمداً بشكل كبير على مَن يخدمه، ويحقق له رغباته، ويهيّئ له أسباب الحياة.
10) عدم تقبّل النقد البنّاء والنصيحة الصادقة.
- وللإنصاف، فإنه في مقابل ذلك، لوحظت بعض الإيجابيات عند هذا الجيل:
1) فهم مِن بين أعلى الشرائح السنية مشاركةً في الانتخابات، ولهذا أسبابه الخاصة.
2) الحماسة الفائقة والعناية الكبيرة بقضايا إنسانية عديدة من قبيل: العنصرية، حقوق الإنسان، قضايا البيئة، الحروب العدوانية، وغير ذلك. وآخرها المظاهرات والاعتصامات التي تشهدها دول عديدة بخصوص الحق الفلسطيني والحرب العدوانية على غزة، وحملة المقاطعة التي شهدتها منطقتنا للشركات الداعمة للكيان الصهيوني، وإن كان من الواضح أن نَفَس المقاطِعين قصير، إذ لم تدم المقاطعة طويلاً، وسرعان ما تغلّب الشوق لقهوة الشركة الفلانية ووجبة سريعة من الشركة العلانية على ذلك الموقف الإنساني الرائع.
- السلبيات السابقة التي أشرنا إليها عند البالغين من جيل الألفية الثالثة، والموصوف من قبل بعض علماء الاجتماع بأنه جيل رقائق الثلج، ستنعكس على تجربتهم في الحياة الزوجية بشكل كبير... الهشاشة النفسية، العناد، التطلّب، سرعة الاستفزاز، قوة الإحساس بالتفرّد، الميل إلى العُزلة الاجتماعية، تأخّر سنّ الرشد، الحاجة الدائمة إلى الرعاية من قبل الآخرين، الإنشداد إلى الحاسوب والهاتف الذكي، كلها عوامل مدمّرة للحياة الزوجية، وتجعلها قابلة للتفكّك السريع ولأتفه الأسباب، وهو ما يستدعي المتابعة الحثيثة، والتوجيهَ الدائم، وطولَ النفَس والصبرَ في طريقِ تقويمِ السلوك، وتقديمَ الدوراتِ والوِرشِ التي تمزج ما بين القيم الإيمانية والمفاهيم التربوية والاجتماعية والنفسية.
ولنصرةِ غزةَ نصيبٌ في خطبتنا هذه: اللهم يَا مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَنْبَاءُ الْمُتَظَلِّمِينَ، ويَا مَنْ لَا يَحْتَاجُ فِي قَصَصِهِمْ إِلَى شَهَادَاتِ الشَّاهِدِينَ، ويَا مَنْ قَرُبَتْ نُصْرَتُهُ مِنَ الْمَظْلُومِينَ، ويَا مَنْ بَعُدَ عَوْنُهُ عَنِ الظَّالِمِينَ، قَدْ عَلِمْتَ، يَا إِلَهِي، مَا نَالَ إخوانَنا في غزةَ مِنْ الصهاينةِ ومِمَّن يقفُ مِن خلفِهم، مِمَّا حَظَرْتَ وانْتَهَكوه منهم. اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وخُذْ ظَالِمِيهم بِقُوَّتِكَ، وافْلُلْ حَدَّهُم بِقُدْرَتِكَ، يا قاصمَ الجبارين، ونكالَ الظالمين.