خطبة الجمعة 15 ذوالحجة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: قواعد مواجهة الفساد

- تخبرنا المصادر التاريخية أنّ واحدة من أهم وأخطر التحديات التي واجهها الإمام علي (ع) بعد استلامه الحكم، هي مشكلة الفساد المالي التي ولّدت مشاكل سياسية، وإدارية، واقتصادية، واجتماعية، وأمنية، وحقوقية عديدة.
- من هنا، نجد أنه (ع) أعلن عن سياسته المالية بوضوح في ثاني يوم من مبايعة الناس له في سنة 35 هـ، وتضمّنت هذه الخطبة إعلان الحرب على الفساد المالي، والإجراءات المالية التصحيحية.
- المصادر التاريخية التي نقلت هذه الخطبة عديدة، ولكنني اخترت مصدراً متأخراً لأحد علماء السلفية، وهو كتاب (موارد الظمآن لدروس الزمان) للشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان المتوفى في الرياض سنة 2001م، وهو مخصّص للخُطب والحِكم والمواعظ، وفيه: (قَالَ رضي اللهُ عَنْهُ في خُطْبِتِهِ عَقِبَ البَيْعَةِ لَهُ: أيُّها النَّاسُ، إنَّمَا أنَا رَجُلٌ مِنْكُم لِيْ مَا لَكُمْ، وَعَلَيَّ مَا عَلَيْكُم، وإِنّي حَامِلُكُم عَلى مَنْهجِ نَبِيِّكُمْ وَمُنَفِّذٌ فِيْكُم مَا أُمِرْتُ بِهِ).
- هذه المقدمة هي أسس ومنطلقات السياسات والإجراءات المالية التي سيعلن عنها.
- الإجراء الأول: (ألاَ إنَّ كُلَّ قَطِيْعَةٍ أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ) أي ما منحه للناس من الأراضي (وَكُلُّ مَالٍ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ المَالِ).
- ثم بيّن (ع) القاعدة العقلية والشرعية لهذا الإجراء: (فإنَّ الحَقَّ لا يُبْطِلُهِ شَيءٌ) أي لا يسقط بتقادم الزمان، ولا بالنظر إلى شخص أو صفة مَن تجاوز على الحق، ولا بخطأ الإجراءات، ولا بتشابك الأمور وتداخلها، ولذا قال بعد ذلك: (وَلَوْ وَجَدْتُه قَدْ تُزُوّجَ بهِ النّسَاء، وَمُلِّكَ به الإمَاء، وَفُرِّقَ في البُلدَانِ، لرَدَدْتُه).
- القاعدة الثانية لهذا الإجراء هي ضرورة التزام العَدل في الحُكم: (فإنَّ العَدْلَ سَعَةٌ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الحَقُّ فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ) من يعتبر أن تطبيق العدالة سيخلق المشاكل ويعقّد الأوضاع، فليعلم أن الرضا بالجور سيخلق مشاكل أكبر، وسيعقّد الأوضاع أكثر.
- واستشرف الإمام (ع) بعد ذلك المستقبل وردود الأفعال عندما يبدأ بتنفيذ الإجراءات الإصلاحية، فاستبقها بالتحذير من مغبّة تزوير الحقائق، واللعب بالكلام، وإثارة الرأي العام: (أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا لاَ يَقُولَنَّ رِجَالٌ مِنْكُم غَداً، قَدْ غَمَرَتْهُم الدُّنْيَا، فامْتَلَكُوا العَقَارَ، وَفَجَّرُوا الأَنْهارَ، وَرَكِبُوا الخَيْلَ، وَاتَّخَذُوا الوَصَائِفَ المُرَقَّعَةَ) وهم شريحةُ المتضرّرين من هذه الإجراءات الإصلاحية (إذَا مَا مَنَعْتُهم مَا كَانُوا يَخُوضُون فِيْهِ، وَأَصَرْتُهم إلى حُقُوْقهِمْ التِيْ يَعْلَمُونَ: حَرَمَنَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ حُقُوقَنَا) علي لم يمنعكم حقوقَكم، بل استردّ منكم حقَّ
الله، وحقَّ الناس، مما حصلتم عليه من دون وجه حق.
- القاعدة الثالثة في سياسته المالية تَساوي المسلمين في العطاءات المالية، وأن السابقة في الإسلام، وفي نُصرة الدين، ومستوى التديّن، لا تؤثّر في مقدار نصيب الفرد منها: (أَلاَ وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ المُهَاجِرينَ وَالأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ [ص] يَرى أَنَّ الفَضْلَ لَهُ عَلى سِوَاهُ بِصُحْبَتِهِ، فإنَّ الفَضْلَ غَداً عِنْدَ اللهِ، وَثَوَابُه وَأَجْرُهُ عَلى اللهِ).
- وعلى هذا الأساس كان الإجراء الثاني في السياسة المالية لعلي (ع) هو المساواة في العطاء: (ألاَ وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَجَابَ لِلّهِ وَلِرَسُوْلِهِ، فَصَدَّقَ مِلَّتَنَا، وَدَخَلَ دِيْنَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَقَد اسْتَوْجَبَ حُقُوقَ الإسْلامِ وَحُدُوْدَهُ، فَأَنْتُمْ عِبَادُ اللهِ، وَالمَالُ مَالُ اللهِ، يُقْسَمُ بَيْنَكُمْ بالسَّوِيَّةِ، وَلا فَضْل فِيهِ لأَحَدٍ عَلى أَحَدٍ، وَلِلْمُتَّقِيْنَ عِنْدَ اللهِ أَحْسَنُ الجَزَاءِ).
- بالطبع، الكلام هنا ليس على الرواتب (الأجور) التي تُعطى في مقابل العمل، فهي خاضعة للتمايز بحسب طبيعة الوظيفة، والمستوى العلمي، والأداء الوظيفي، وغير ذلك.
- ومما يُكمِل صورة هذه السياسات والإجراءات المالية التي اتَّخذها الإمام (ع) ما رواه (السلمان) في كتابه، وسبقه إلى ذلك المؤرخون من محاولاتِ البعض لإقناع الإمام (ع) بتأجيل الإجراءات، واتخاذ بعض الاستثناءات، وإعمال شيء من المداراة، طلباً للعافية، وتحيّن الفرصة الملائمة، والظروف المناسبة.
- قال: (وَرُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَلِيَّ بَنِ أَبْي طَالِبٍ [رض] جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَاً فَقالُوا لهُ: لَوْ أعْطَيْتَ هَذِهِ الأمْوَالَ وَوَصَلْتَ بِهَا هَؤُلاءِ الأشْرَافَ، وَمَنْ تَخَافُ فِرَاقَهُ، حَتَّى إذَا اسْتَتَبَّ لَكَ مَا تُرْيدُه عُدْتَ إلى مَا عَوَّدَكَ اللهُ مِن العَدْلِ في الرَّعِيَّةِ وَالقِسْمَة بِالسَّوِيَّةِ).
- قد تبدو الفكرة عُقلائية وحكيمة، ومتناسبة مع مقتضيات السياسة، ولكنه (ع) رفض ذلك رفضاً قاطعاً، والسبب في ذلك أن هذه الأموال هي حقوق الناس، وقد أصبح -من خلال موقع الحُكم- مسئولاً عنها، ومُمثِّلاً للناس في استرداد حقوقهم المسلوبة، وهي ليست من أمواله الشخصية كي يتسامح فيها، ولذا قال: (أَتَأْمُرُوْنِي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالجَوْرِ فِيْمَنْ وَلّيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الاسْلاَمِ؟! وَاللهِ لاَ أَفْعَلُ ذَلكَ. لَوْ كَانَ هَذَا المالُ لِيْ لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُم فِيْهِ، كَيْفَ وَإِنَّمَا هِيَ أَمْوَالُهُم؟!).
- هذا أولاً، ومن جهة ثانية، فإنّ الفساد المالي كان قد بلغ مبلغَه، وثار بسببه الناس على الحُكم، ولجأوا إلى علي (ع) وبايعوه للحُكم بُغيةَ إصلاح الأوضاع، ولذا فإن أي مداراة، أو تأجيل، أو استثناء، سيعني ترسيخ الفساد المالي، ولا غير.
- ثم جاء السلمان بأبيات من الشعر في الثناء على أمير المؤمنين (ع) بعد أن ذكر له مأثرةَ المبيتِ في فراشِه ليلةَ الهجرة، قال:
وَلاَ تَنْسَ صِهْرَ المُصْطَفَى وَابْنَ عَمَّهِ ** فَقَدْ كَانَ حَبْراً لِلْعُلُومِ وَسَيَّدَا
وَفَادَى رَسُولَ اللهِ طَوْعاً بِنَفْسِهِ ** عَشِيَّةَ لمَّا بالفِرَاشِ تَوَسَّدَا
وَمَنْ كَانَ مَوْلاَهُ النَّبِيُّ فَقَدْ غَدَى ** عَلِيُّ لَهُ بِالحَقَّ مَوْلَىً وَمُنْجِدَا
- بالطبع، فقد تحقّق ما استشرفه الإمام (ع) من ردود فعل عنيفة صادرة عن بعض الأطراف المتضررة من هذه السياسات، وتزوير الحقائق، ونَشْر الاتهامات الباطلة، وتهييج الرأي العام، واستغلال جَهل الناس، إلى إعلان الحرب، وتجييش الجيوش، وخَلق الفِتن، بما أدّى في نهاية المطاف إلى مقتله في محراب الصلاة.
- ومما زاد الأمور سوءً في مسار الأحداث، أن عدداً من كبار المسئولين الذين اعتمد عليهم علي (ع) لتحقيق مشروعه الإصلاحي، صاروا يتخلّون عنه لأسباب متعددة، فمنهم من غرّه بريق الذهب الذي أغراهم به معاوية، ومنهم مَن وجَد نفسه فوق القانون فارتكب ما شاء من تجاوزات، أو اختلس ما تحت يده من بيت المال، حتى إذا عوقبوا أو حوسبوا، اختاروا التخلي عنه والعمل ضد مشروعه، وانحاز لهم مِن عامة الناس من انحاز تعصباً.
- من هنا نقول، عندما تكون هناك نوايا صادقة للإصلاح لدى المسئولين، ولمواجهة الفساد، وتدهور الأوضاع الإدارية في أي بلد، فإنّ هذا لا يتحقق من طرف واحد، ولا يُتوقَّع أن يتمّ ذلك على يد الجهات الرسمية فحسب، وإن كانت هي العُمدة في تحمّل هذه المسئولية. فالمواطن من خلال بعض المفاهيم الخاطئة التي يتبنّاها، والسلوكيات المعوجّة التي ينتهجها، وبلحاظ تضارب المصالح، وما اعتاد عليه ورَكن إليه من صور التسيّب الإداري، والسكون إلى سياسات الدولة الرعوية، وغياب الرقابة، والمحسوبية، وتجاوز القانون، والأمن من العقوبة، وتبادل المصالح، فإنه قد يعمل -ولربما من حيث لا يدري أو لا يريد- على إعاقة الجهود الصادقة للإصلاح والتقويم متى ما وُجِدت، هذا إن لم يُفشِلها ويُبطلها، وهو ما يستدعي نقد الذات، ومواجهة النفس بأخطائها، والعمل على مقاومة النفس وصولاً لتحقيق نتائج ملموسة على مستوى الإصلاح المنشود.
وأما على صعيدِ طوفانِ الأقصى وارتداداتِه، فإنَّ الصورةَ باتت أوضحَ مِن كل يومٍ أنّ الأوضاعَ العسكريةَ والسياسيةَ والاجتماعيةَ للعدوِّ الصهيوني تتدحرج بشكل كبير نحو الهاوية، وأن النصرَ المدوّي آتٍ بإذن الله تعالى، فهو الثمنُ الوحيدُ لدماء المجاهدين
والأبرياء ومقاومتِهم وصبرِهم الأسطوري.