خطبة الجمعة 8 ذوالحجة 1445- الشيخ علي حسن : الخطبة الثانية: الباقر (ع) والحج

- علاقة الأئمة من أهل بيت النبوة (ع) بالحج علاقة خاصة ومميزة، يتجلّى فيها البُعد الروحي، كما يتجلّى فيها البُعد العلمي، وكذلك البُعد الاجتماعي من خلال التعارف الذي جعله الله تعالى من غايات التنوّع البشري حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات:13]، وهو ما أكّده الإمام الصادق (ع) حين سأله هشام بن الحكم عن العلّة (التي من أجلها كلّف الله العبادَ بالحج والطوافِ بالبيت) فكان فيما قال: (... فَجَعَلَ فِيهِ الِاجْتِمَاعَ مِنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لِيَتَعَارَفُوا...).
- من شواهد ذلك ما نقلت لكم في الأسبوع الماضي، وكان جانباً من خطبة أمير المؤمنين (ع) والمسماة بالخطبة القاصعة، وفيها شرح طويل ومفصّل عن فلسفة الحج، وأحوال مكة المكرمة، والحرم المكي، وبيت الله الحرام، وهو ما لن تجده من حيث السعة، والعمق، والتفاصيل في أي وصف آخر صدر عن أحدٍ في صدر الإسلام، ولا يصدر عن أحد إلا أن تكون له علاقة خاصة بالحج.
- وكان الإمام الحسن المجتبى (ع) حريصاً على أن لا يُفوّت موسم حج ما أمكنه ذلك، وقد روي أنه حج عشرين -أو خمسة وعشرين- حجّة ماشياً على قدميه من المدينة إلى مكة، لا لعجزه مادياً، بل تواضعاً، وتذللاً لله تعالى، وتطلُّعاً لأجزلِ الثواب، وفي رواية ابن عباس: (ولقد حجّ الحسن بن عليّ خمسة وعشرين حجّة ماشياً وإنّ النجائب لتُقاد معه)، وللتعبير بالنجائب من الإبل دلالة على أنه (ع) كان يملك من المال ما يمكّنه مِن اقتناء أغلى الإبل، والسفر عليها راكباً، ولكنه اختار المشي لما ذكرناه.
- ورُوي مثل ذلك عن الحسين (ع)... كما كان منطلق الحسين (ع) إلى الثورة في العراق من مكة المكرمة، واضطُر لمغادرتها في مثل هذا اليوم، والمسمّى بيوم التروية، أي الثامن من ذي الحجة.
- وأما الإمام زين العابدين (ع)، فقضيته -عند الكعبة المشرفة- مع هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة قضية مشهورة، فقد حج هشام (وجَهِدَ أن يستلم الحجر الأسود، فلم يصل إليه لكثرة زِحام الناس عليه. فنُصـب‌ له‌ منبر فجلس‌ علیه‌ وأطاف‌ به‌ أهل‌ُ الشام‌، فبينما هو كذلك‌ إذ أقبل‌ علي بن الحسين السجاد وعلیه‌ إزار ورداء، من‌ أحسنِ‌ الناس‌ وجهاً وأطيبِهم‌ رائحةً وأنظفِهم ثوباً، بين‌ عينيه‌ سجّادة‌، فطاف بالبيت، فلما بلغ الحجر الأسود تنحّى الناس كلُّهم وأخلَوا له الحجرَ ليستلمَه، هيبةً وإجلالاً له، فغاظ ذلك هشاما وبلغ منه. فقال‌ شامي‌: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة يا أمير المؤمنين؟! فنكره هشام وقال: لاَ أعرِفُه، لئلاّ يرغب‌ فيه‌ أهل‌ الشام‌ ويسمعوا منه. فقال‌ الفرزدق‌، وكان‌ حاضراً: لكنّي‌ أنا أعرفه‌. فقال‌ الرجل الشامي‌ّ: مَن‌ هو يا أبا فراس‌؟! فأنشأ قصيدة‌:
يَا سَـائِلِي‌: أَيْنَ حَـلَّ الجُـودُ وَالكَـرَمُ عِنْـدِي‌ بَـيَـانٌ إذَا طُـلاَّبُـهُ قَـدِمُـوا
هَذَا الذي‌ تَعْـرِفُ البَطْـحَاءُ وَطْـأَتَـهُ وَالبَـيْـتُ يَعْـرِفُـهُ وَالحِـلُّ وَالحَـرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَهِ كُلِّهِمُ هَذَا التَّقِي‌ُّ النَّقِي‌ُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هَذَا الذي‌ أحْمَدُ المُخْتَارُ وَالِدُهُ صَلَّى عَلَیهِ إلَهِي‌ مَا جَرَى القَلَمُ
لَوْ يَعْلَمُ الرُّكْنُ مَنْ قَدْ جَاءَ يَلْثِمُهُ لَخَرَّ يَلْثِمُ مِنْهُ مَا وَطَى القَدَمُ
هَذَا عليٌ رَسُولُ اللَهِ وَالِدُهُ أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تَهْتَدِي‌ الاُمَمُ
هَذَا الَّذِي‌ عَمُّهُ الطَّيَّارُ جَعْفَرٌ وَالمَقْتُولُ حَمْزَةُ لَيْثٌ حُبُّهُ قَسَمُ
هَذَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسْوَانِ فَاطِمَةٍ وَابْنُ الوَصِيِّ الَّذِي‌ في‌ سَيْفِهِ نِقَمُ
إذَا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا إلَی‌ مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي‌ الكَرَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ راحته رُكْنُ الحَطِيمِ إذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
إلخ القصيدة. فغضب هشام ومنع جائزته وقال: ألا قلت فينا مثلها؟ قال: هات جداً كجدّه، وأباً كأبيه، وأمّا كأمه حتى أقول فيكم مثلها...).
- وهكذا كان الإمام الصادق (ع) حريصاً على الحج، وعلى ضرورة أن يلتقي به شيعتُه ضمن موسم الحج، سواء أ كان الإمام حاجاً ومتواجداً في مكة والمشاعر، أو لم يكن، فتتم زيارته في المدينة. وقد روى المجلسي في (بحار الأنوار) عدة روايات بهذا المضمون، كما وعقد في الجزء 96 منه باباً بعنوان (أنّ مِن تمام الحج لقاء الإمام)، ومما رواه عن الصادق (ع) قوله: (إذا حجَّ أحدُكم فليختم حجَّه بزيارتنا، لأنّ ذلك مِن تمام الحج).
- وحيث تواجد الإمام الصادق (ع) في موسم الحج في مكة والمشاعر، تحوّل مجلسُه إلى ملتقىً علمي، حتى عبّر أحدهم قائلاً: (فأتيته بمنى والناس حوله كأنه مُعلِّم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله). هكذا كان الناس يُحلّقون حولَه يطلبون منه العلم.
- ما ذكرناه حول الصادق (ع) كان قد أسّسه والدُه الإمامُ الباقرُ (ع) مِن قبلُ، وقد روي عنه أنه قال: (تمامُ الحجّ لقاءُ الإمام)، كما استوحى من قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) [إبراهيم:37]، فكرةً رائعة، بأنّ هذا الدعاء الإبراهيمي الذي انطلق قبل أكثر من ألفي سنة من عصره يمتدّ في هذه الذرية الإبراهيمية الإسماعيلية المحمدية المباركة، لا لمجرد تأسيس مجتمع بشري في بقعة جغرافية محدَّدة، بل لتكون هذه الذرية المباركة منار هدىً للناس، وقد امتلأت أفئدتُهم بمودّتهم، وقصدوهم من كل ناحية، طلباً لما عندهم من أسس الإيمان ومعارفه، وأحكامِ الله وحِكَمِه.
- ولذا قال (ع) بعد الاستشهاد بالآية: (ينبغي للناس أن يَحُجّوا هذا البيت ويعظّموه لتعظيم اللهِ إياه، وأن يَلقَوْنا حيث كُنّا. نحن الأدلاّء على الله).
- وكيف لا يكون أئمةُ أهلِ البيت (ع) الأدلاءَ على الله تعالى بعد الشواهدِ السابقة، وهي مجردُ نماذجَ بسيطةٍ من سيرتِهم الروحيةِ والعلمية والعملية، وفيهم مثلُ الإمامِ الباقرِ (ع) الذي روى مولاه أفلح أنه خرج معه حاجاً (فلما دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوتُه، فقلت: بأبي أنت وأمي، إنّ الناس ينظرون إليك، فلو رفعتَ بصوتك قليلاً، فقال لي: ويحك يا أفلح، ولم لا أبكي؟ لعل الله تعالى أن ينظرَ إليّ منه برحمةٍ فأفوزُ بها عنده غداً، قال: ثم طاف بالبيت، ثم جاء حتى ركع عند المقام، فرفع رأسه من سجوده فإذا موضعُ سجودِه مبتلٌّ مِن كثرةِ دموعِ عينيه).
- لقد كانت علاقةُ الأئمةِ مِن أهلِ بيتِ النبوةِ (ع) بالحجِّ علاقةً خاصةً ومميّزة، يتجلّى فيها البُعد الروحي، كما يتجلّى فيها البُعدُ العلمي، والبُعدُ الاجتماعيُّ في التعارفِ الذي جعله الله تعالى مِن غاياتِ التنوّعِ البشري، وهي الفرصةُ السنويةُ التي يُقبِلُ فيها المسلمون من كل مكان، مجتمعين في يومٍ واحدٍ، وبنيّةٍ واحدة، وعلى صعيدٍ واحدٍ، صعيدِ عرفات، حيث تنفتحُ أبوابُ السماءِ للدعاءِ الصاعدِ من أفواهِ حجّاج البيت الكريم، ولنزولِ الهدايا الربانيةِ والرحماتِ الإلهيةِ لخير الدنيا والآخرة، وينبغي أن لا ينسى مَن وُفِّقوا لحج هذا العام -وكذلك مَن يُحيون يوم الوقوف بعرفات خارجه- أنّ أَولى أولوياتِ دعواتِهم الصادقة في ذلك اليوم هو الفرجُ لإخوانِهم في غزة، والنصرُ للمقاومين، والهلاكُ والخزيُ لأعدائهم أجمعين.